ساحة رأي

الموسيقار منير مراد بين النسيان والخلود

بقلم / ايمن السلحدار

قال عنه عمار الشريعي فى وصف عبقريته ( ألحانه فيها لطشه ) و الحق قال عمار الشريعي انه المجدد و العبقري والمظلوم إعلاميا أيضاً منير مراد الذي عشق الموسيقي منذ صغره ….
ثلاثه الآلاف لحن هي ما قدمه ذلك العبقري خفيف الظل وهو حقاً كما قال عمار ان ألحانه فيها ( لطشه ) تشعر بها حين تسمعه مع الفنانة الجميله المظلومة ايضا عفاف راضي فى اغنيه ( ابعد يا حب ) تشعر بهذه ( اللطشه ) فى مقدمه الاغنية وهو ما يطلق عليه ( مذهب ) ان مقدمه الاغنية تصف لك بكل سهوله كيف ان المغنيه تخشي الحب ولكن تريده فى انٍ واحد . اهتم منير مراد بالمذهب او ما يطلق عليه ( الميلودي ) فكان كما قال فى احد البرامج ( تعلمت من اندريا ريدر حيث كنت تلميذا له وكان هو الاستاذ وأوصاني فيما أوصي ان اهتم بالمذهب لانه الشيء الذي يبقي فى وجدان المستمع ويخطف عقله ) اندريا رايدر ذلك الموسيقار الذي امتعنا بموسيقاه التصويرية الجميله فى فتره الزمن الجميل وهو لحن موسيقي فيلم ( دعاء الكروان ) كان منير مراد احد تلامذته والحق ان منير مراد كان محظوظا ايضا حين كان يرافق الموسيقار عبد الوهاب فى رحلاته الي خارج مصر ونخص بالذكر فرنسا حيث كان يجيد اللغه الفرنسيه ولم يكن حينها قد خاض غمار التلحين فظهر نبوغه فى الحفظ فكان يحفظ الجمله الموسيقية حتي اذا ما نسي عبد الوهاب ذكره بها .. و لعل شاديه التي التصقت به والتصق بها هي من شجعت ذلك العبقري علي ان يخوض غمار التلحين ولكن كانت صدمته كبيره جداً حين رفضت الفنانه شاديه ان تغني اول ألحانه حيث كان اللحن حزينا جداً فقالت له يومها ( انت لازم تكون بدايتك مع التلحين فى لحن مرح مش حزين ) وكانت هي الداعم له وهذا يفسر لنا ظهورها معه فى اكثر من فيلم كما يفسر لنا التصاقهما ببعض فى معظم أغانيها ولأنه هو رائد فن الدويتو فقد كان مميزا فيه الي ابعد حد فقد قال فى حديث إذاعي مسجل له ( فن الدويتو هو اصعب فن فى الموسيقي ولا أبالغ ان قلت انك لن تجد من يتقن هذا الفن من ناحيه التلحين سوى محمد فوزي وانا ) وليس ادل علي هذا من لحنه العبقري الذي غناه عبد الحليم حافظ وهو قاضى البلاج و دوقوا الشماسي حيث كان يتنقل بين المقامات الموسيقية وبين الرتم من إيقاع الي اخر من مقسوم الي ملفوف الي الواحدة الكبيره فى سهوله و مهاره انه كما قال عمار الشريعي ملحن له لسعه و لطشه منير مراد صانع النجوم من ينسي له اغنيه كعب الغزال لمحمد رشدي وهي علي إيقاع جميل يسمي ( أيوب ) استطاع بهذا اللحن ان ينقل محمد رشدى من سجن اغنيه ( قولوا لماذون البلد ) التي اشتهر بها الي مطرب يضاف الي رصيده اغنيه جعلته من يصعد الي المسرح الا ويطلبها منه السميعة علي حد قوله ولنا ان نتوقف علي صعود هذا العبقري الي سماء التلحين و الشهره بعد نجاح فيلمه الشهير ( انا وحبيبي ) مع شاديه حيث حقق هذا الفيلم إيرادات غير مسبوقه فى ذلك الوقت جعلته يتحمس ان يسير فى السينما غير ان أفلامه التاليه لم تحقق اي نجاح يذكر مما دفعه للذهاب الي أوربا ليعرض فمه فى الملاهي الليليه هناك وكان يرتدي الجلباب ويحمل الطبله فى يده عارضا فن الشرق علي المشاهدين ..!
و مما لاشك فيه ان هذا العبقري قد تعرض للظلم فنيا و نفسيا حيث كان يعيش فى مجتمع لم يغفر له انه قد اسلم فقد كان مازال يعامل علي انه يهودى الديانة ذلك المجتمع الذي اعتاد ان يطلق علي غير المسلم وقتها لقب خواجه الذي كان يرفضه وكان يقول ( انا يهودى مصرى مش خواجه ) وحين اسلم وكانت الحرب علي أشدها بين العرب و اسرائيل كان هناك شروع فى ترحيله من مصر مع اخته الفنانه العظيمة ليلي مراد وانا ارى ان هذا الظلم و التجاهل قد حاق بأكثر من فنان نظراً لعقيدتهم اليهوديه رغم حب لمصر فى مقدمتهم الفنان ( شالوم ) الذي ربما قد لا يعرفه العامه من الناس وهو للعلم صاحب فيلم ( شالوم الرياضي ) و فيلم ( المندوبان ) وكنت أشعر بانبهار حين أشاهد تمثيله الذي سبق به عصره واتعجب من تجاهل الاعلام لهذه القيمه الفنية ولكن يزول العجب احيانا حين نرى ما فعلته اسرائيل بنا كعرب …
موريس ذكي مراد هو اسمه السابق قبل ان يشهر إسلامه
ومنير مراد هو شقيق ليلى مراد ووالدهما المطرب القديم زكي مراد (والذي عاصر اواخر عهد عبده الحامولي ومحمد عثمان) وكان من المغنين المعدودين في اوائل القرن العشرين مع يوسف المنيلاوي وعبد الحي حلمي وسليمان ابو داود وسلامة حجازي, وظل يغني الي اوائل عصر عبدالوهاب وام كلثوم.

وكان زكي مراد واحد من القلائل الذين احترفوا الغناء والتلحين من الجالية اليهودية في القاهرة ,اما الثاني فهو داوود حسني (مكتشف اسمهان وهو الذي اختار لها اسمها الفني وصاحب الطقطوقة الشهيرة قمر له ليالي)وكلاهما ابناء الغناء العربي المتقن وقد لاقيا النجاح بين جماهير المستمعين المصريين وانتميا الي مصر انتماء حقيقيا ,ولم يخطر على بال احدهما وجود امة اخرى ينتميان اليها.
ولا يمكن فهم الينابيع الفنية التي استقى منها منير مراد موسيقاه الا بعد الالمام باعمال والده كملحن ومطرب الا انه كان مطربا اكثر منه ملحنا وكان ياخذ الالحان القديمة ويؤديها ويسجلها على اسطوانات.

من الاغاني التي سجلها على الاسطوانات في العقدين الاول والثاني من القرن العشرين دور اشكي لمين ذل الهوى من تلحين داوودحسني وهذا الدورتنافست على تسجيله شركتان للاسطوانات في ذلك العهد وسجله صالح عبدالحي ومنيرة المهدية بعدما سجله زكي مراد .
وكان زكي يزاحم مشاهير مطربي عصره في تسجيل الالحان على اسطوانات وكانت عادتهم في تلك الايام تسجيل اللحن الواحد باصوات كثيرة عللى اسطوانات الشركة المتنافسة. اذا عبقريه هذا الفنان تبدو منطقيه فى هذا المناخ الذي نشيء فيه
لحن منير مراد جميع الألوان ونجح فيها كلها وظهرت في الحانه تربيته الموسيقية الغنائية على يد والده الذي غنى جميع القوالب الغنائية على الطريقة التي كان سائدة في ذلك العصر.ولعل اعجب ما تعرض له من بيروقراطية كان اخراجه من مصر خلال العدوان الثلاثي سنة1956 وقد القت به المقادير في فرنسا حيث التحق مدة في اعمال بدنية شاقة.
والحقيقة ان الملحن المطبوع الموهوب الغزير الانتاج لم ينل حقه حيا ولا ميتا ففي حياته القصيرة لم يستطع انجاز ما يحلم به في فن الغناء وان كان قد ترك لنا انجازا فنيا كبيرا
وبعد مماته انطوى اسمه كانما اتفق زملائه على نسيانه وان كان ملحنو الموجة الهابطة يذكرونه بطريقتهم المختلفة اذ يسرقون شذرات من الحانه وينسبونها لانفسهم
انه الملحن الذي نسيه عارفوه ولم ينسه الذين يقتبسون الحانه.وليس ابلغ من هذه العبقريه الموسيقية ان تسمع معي منير مراد فى تسجيل نادر له وهو يغني مقطع من اغنيه ( لا مش انا اللي ابكي ) يقولها مره بطريقه لحنيه لرياض السنباطي ثم مره بطريقه عبد الوهاب ومره بطريقه كمال الطويل وفي كل مره يبدو اللحن و الصوت مختلفا انها العبقريه التي جعلته منسياً لدى الاعلام ولكن جعلته الحاضر فى قلوب محبيه رحم الله منير مراد.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق