أخبار عاجلة
الرئيسية / الآدب والثقافة / قرار صعب/ بقلم : حنان الشيمي

قرار صعب/ بقلم : حنان الشيمي

في حجرة الرعاية الفائقة، كل شيء هادئ ليلًا، لا صخب لا ضجيج لا أصوات سوى صوت الأجهزة الطبية تعمل في صمت، المرضى نائمون، كل شيء منظم ومرتب. 
كان الجو هادئًا وقد اعتدت على التواجد بالمشفى فترات طويلة برفقة والدتي، إنها في غيبوبة كبد لكن هذه المرة الأسوأ على الإطلاق، سرت على أطراف أصابعي خِلسة ألقي نظرة أطمئن عليها، رأيت عينيها مفتوحتين دون أن تتحركا أو يطرف رمشهما، بينما تتزاحم عشرات الأسلاك والتوصيلات في أنحاء جسدها الساكن تحت جهاز يصدر صوتًا مقبضًا بين فترة وأخرى، يرسُم خطوطًاً غير مفهومة، تقدمت نحوها أكثر واسترقت النظر إلى وجهها .. كان وجهًا خاليًا من الحياة، أنبوبًا في فمها، شفتين يابستين، جسد مُسجى وكأنه استسلم للأمر بعد طول عناد، حاولت كتم دموعي ووضعت يدي على فمي وخرجت من الغرفة، ألقيت بنفسي على مقعد في صالة الانتظار وخِلْتُني غفوت .. رحت أحلم بها، رأيتها تقف قريبةً مني، وقد كسا وجنيتها لون أحمر وردي وقد عاد إليها شبابها، تبتسم تمد يدها وتقبّلني، انتبهت على صوت أخي قادمًا مع أول خيوط الصباح الباكر.
في آخر الردهة تقف الطبيبة المعالجة ومعها طبيب آخر يتهامسان، العيون تتلاقى والرءوس تهتز اهتزازات خفيفة وكأنهما اتفقا على أمر ما، أرادا أن يخبرانا به، تقدمت نحوهما ومعي أخي، قبضت على ذراعه مطمئنة له فقد بدأ جسده يرتجف .. شرحت لنا الطبيبة الوضع الحالي لوالدتي، ومعها زميلها حتى وصلا إلى نقطة البدء، الحالة وصلت آخر مرحلة فى المرض توقفت كافة الأجهزة عن العمل عدا القلب والبقاء بالمشفى ما هو إلا استنزاف لها ولنا.
ربتت الطبيبة على كتفي حين رأت دموعي تتساقط بغزارة: “خذوها إلى بيتها أفضل لكم ولها، ولننتظر رحمة الله وكرمه عليها” .
سمعت ارتطام جسد أخي بالجدار حاول أن يتكلم فلم يستطع، شددت على يد الطبيبة وقلت لها: لا يهمنا مال ولا وقت ولا جهد لو أن هناك أمل ولو واحد بالمئة أرجوكم لا تتركوها تتألم هناك وحدها، فكان التدخل هذه المرة لزميلها قائلًا: “وجودها هنا لن يغير من الأمر شيئًا ماهي إلا سويعات ويتوقف القلب عن العمل خذوا قراركم إن بقيت ستظل تحت هذه الأجهزة حتى يأتي أمر الله وإن رحلتم فهو أفضل لكم ولها ولن يكون هناك ما هو أسوأ من وضعها الحالي” .
وتركونا أنا وأخي كان علينا اتخاذ القرار الذي رفضه أخي رفضًا قاطعًا أول الأمر ولكنني أخذت بيديه وجلسنا سويًّا؛ أخبرته كم كانت أمه تحبه وتدعو له وكم أوصتنا عليه مرارًا وتكرارًا .. ذكرته أننا جميعًا لم نبخل عليها بمال أو جهد أو وقت تركنا بيوتنا ودرنا في فلك الأطباء خمس سنوات من المعاناة منذ هاجمها ذلك المرض وافترس كبدها حتى كلَّ الجسد واستسلم له بينما قلبها قويا صلبًا يأبى الهزيمة، ولكنها تعبت من تلك الأجهزة المسلطة عليها ليل نهار، أخبرته أنها الآن تحن لفراشها تتدثر بأغطيتها تشم عبق زهورها وريحانتها التي زرعتها بيديها وسنكون جميعًا حولها.
بكى أخي بحرقة فالقرار صعب، واتخاذه أصعب، وكوننا نحن أبناءها أصعب وأصعب، أرجع رأسه إلى الوراء وعيونه ممتلئة بالدموع وقال بحزن: إذن لا فائدة هي راحلة راحلة.
قلت: لا يا حبيبي هي باقية معنا بأعمالها وسيرتها الطيبة، بتربيتها لنا، وجهدها وجهادها في الحياة، كل هذا باقٍ معنا وإن رحل الجسد.
أمضينا ليلة حزينة، هل الموت داء أم دواء؟ هل قرار أم اختيار؟ كانت السماء تبكي بغزارة في صورة ملحمية تناقلتها النوافذ عبر زجاجها الشفاف، حيث البرق يلمع فيرسُم حبات مطر تتهاوى على الأرض تستعطفها أن تمكث فيها، فتقبّل الأرض على استحياء وتحتضنها فتذوب فيها وتتوارى خجلًا بعيدًا عن العيون.
انتبهت على رنات جوالي معلنًا قدوم فجر جديد، وكنا قد اتخذنا قرارنا بالرحيل من المشفى نهار ذلك اليوم بعد أن تسللت أشعة الشمس ومدت الدفء والنور على بقاع الأرض.
عدنا للمنزل وبقيت بجوار أمي، دثّرتها بأغطيتها وحانت مني التفاتة خاطفة على وجهها فكانت تَغِطُّ في نوم عميق أو غيبوبة أعمق

https://arbstars.com

شاهد أيضاً

مرساة الصباح ***

تجمعين أحرفا شتى.. تبعثرينها في العاصفة.. وحيدة مع النورس كنت.. وكنت أعلم أسماك صمتك.. كيف …

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com