ثقافة وأدب

الفلفل الأحمر // القاصة هويدا عبد العزيز

قصة قصيرة ( الجزء الأول)
——————————-
من منا لم يطارده الخوف ، محاولاً الإمساك به وإحكام القبضة عليه ؟!!.. فيمسى فريسته، وكيف الخطر المحتم يلجمك لحظة الإنقضاض فلم تستطع إنقاذ نفسك ، دون التجمد أو محاولة الهروب !!
من قال إن الحب والخوف لا يجتمعان وأنهما طريدان 
كالليل والنهار !! .
– أنقذي نفسك واهربي عزيزتي …
كانت هذه آخر مكالمة بيني وبين صديقتي المتوفاة ..
– أنا أحبه وليس لي سواه في الحياة …
ولن نفترق حتى الموت …
في أواخر نيسان عام ١٩٩٩ انطلقت بنا السيارة تشق طريق الساحل ، حيث تقطع المسافات السحب المنخفضة و تلمح هجرة النوارس كما هجرة العيون لحظات الغروب .
شعرت بارتياح غامر ، جعلني لا أتوقف عن سرد تفاصيل زواجنا، غمرتني الطفلة المدللة داخلي
بالحماسة والفضول والتأهب لكل جديد .
– وفجأة داس فرامل السيارة فقد كدنا نكسر إحدى الكمائن …
فساد الصمت …
كان زوجي من الذين تشعر معهم للوهلة الأولى بأنه من النوع الذي لا يعيرك أي اهتمام ،ولكن ما أن تبدأ الحديث معه حتى يبهرك بلباقته .
– أعتذر منك أكملي حبيبتي …
تبدل شعور الارتياح بالصمت ، شلت الصدمة فكري وكادت ثرثرتي أن تتسبب في مقتلنا .
ثم تابعتُ :
– تصور كيف يهيمن الوقار على المقابر ” الكومنولث” ؟؟
حوالى مليون وسبعمائة انسان دفنوا هنا بلا وطن أو هوية يخلدهم السكون الأبدي في قلب الصحراء
ياله من وباء…!!
تلك الحروب ما أن تترك بلدا حتى تحط رحالها في آخر .
– دعينا من الحروب حبيبتي ، لنستمتع بوقتنا ، فقد جئنا من أجل قضاء شهر العسل ،لنسترخِ ، ونستمتع
البحر والشمس
ونحن ولا شيء آخر ..
– إنه المكان حبيبي .. تفوح منه رائحة الموتى ،
لو كان “رومل ” هنا لأكد لك أنك على حافة الهاوية ..
يقول البدو أيضا أن “سيدي عبد الرحمن ”
كان تاجرا مغربيا في رحلة للحج ،فقتله رفيقه
وقد شيدوا له ضريحا ..
– ( واو ) يا لها من قصة !!!..
– ما أن تبدئي في سرد حكاية حتى تصبحي مخيفة وجافة .
دائما تسخر من حكاياتي ….
كانت أشعة الشمس في استقبالنا و البحر أشد منه حفاوة يضرب الشاطىء بزبده ، فيتناثر رذاذه كعبير يشد من أزرك .
ذهب يومنا الأول هباء ،وانهمكنا في التحضير والترتيب فنمنا دون أن نشعر …
في الصباح الباكر لفحني البحر و رواية عكفت على قراءتها ، وقد تركت زوجي نائما من شده الإرهاق .
استيقظ فجأة -على ما يبدو – حركة احدهم بالقرب منا
صرخا :
– من كان هنا ؟!.. .وماذا يريد منك؟!
لا أحد هنا …. عمن تتحدث ؟
تناولنا إفطارنا وسط صمت رهيب…ثم نهض إلى البحر
كان قد رأى أحد الرجال حول المكان ،فهرول إلى الشاطئ مسرعا
صرخت : هذا بائع تذاكر ، فلم يعر صريخي اهتماما
و اندفع الى الرجل ولكمه في وجهه فهشم أنفه ..صدمتني فعلته
وفر الرجل وأنفه ينزف ، و ثورة الغضب ما زالت تعلو وجه زوجي
قلت بثورة عارمة :
هذا الرجل لم يفعل ما يستحق أن تصب عليه غضبك
كان يلاحقك أليس من حقي أن أغار عليك؟!
لا ليس من حقك الإساءة وترهيب الناس
وقبل أن أتم كلماتي انهالت الصفعات على وجهي ..
أفاق من غيبوبته وأنا ملقاة بالأرض ، وبدأ يعتذر عن عصبيته ..
– أنا اغار بجنون …. لن تعارضيني بعد اليوم
وتوالت ضحكاته الساخرة رغم برودة وجهه .
إن كانت حمايتك ذنب فليكن ..
– تحميني من ماذا ؟!
من من تسول له نفسه الإقتراب منك .
مرت الأيام وسط الصمت رغم محاولاتي نسيان ما حدث لكن ….
– تشردين كثيرا …
متى سنعود ؟! …… اشتقت لأمي
لن نعود ..سنعيش هنا ؟
عملي يتطلب هذا ..وطني نفسك على ذلك
أطلق ضحكة مدوية تشبه الزئير مما أثار في قلبي الرهبة
_ولم لم تخبرني ذلك من قبل ؟؟
– وهل سيفرق الأمر معك ؟!
سأذهب الان للعمل …
– ألسنا بأجازة !!!!
– لقد قطعتها ، سأستأنف العمل ..أشعر بالملل و الضجر .. العمل يعيد لي الحيوية ، وقد بدأت أضيق بك .
– مر اليوم وقد قضيت أغلبه في المطبخ أحاول أن أعد وجبات تنسيني رتابة الحديث
“لقد بدأت أضيق منك ..”
كانت كلماته كالسيف الذي خمد في قلبي .
من تزوجت ؟! ما الذي لا أعرفه عنه؟!
حاولت وضع السماعات في أذني ،لكن كل ما كنت أسمعه هو صدى ضحكاته المجنونة .
خيل لي أني رأيت طيفا , فخرجت لأستطلع الأمر
لم أجد اثرا لأحد ، و عندما عدت ظهر أمامي فجأة ..فصرخت ..
اهدئي .. أنه أنا .
_كاد قلبي يتوقف
أين ذهب المهرج ؟!
_ عن أي مهرج تتحدثين ؟!
لا أحد هنا سوانا ..
أعددت طعام العشاء ، وأثناء ذلك قلت :
لقد كان هنا مهرج ..صدقني
– يبدو أنك متعبة ..الأفضل أن نرتاح …
ويتبع …….

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق