الرئيسية / ثقافة وأدب / قراءة في (سيرة الضباب الأولى )

قراءة في (سيرة الضباب الأولى )

للشاعر و الناقد // محمد صالح محمد تقي
بقلم / هويدا عبد العزيز
الجزء الأول
—————
يقولون{ أعذب الشعر أكذبه }
أما عن وجهة نظري أصدق الشعر هو من يحاصرك في زاوية مفردة و يلقي بك في جب وغيهب الأسئلة، فلا تستطيع إحكام القبضة عليه أو إحلاله.
قلما يستدرجني نص بهذه الزاوية الغيبية ، بالغ الدلالة
محكوم بألفاظه الجزلة وعباراته الوجيزة، وبما يحتويه من صور حسية مصاغة بطريقة فنية مترابطة ومتداخلة متناسقة.
إن نقل الواقع المادي إلى صور لغوية ، تحتاج إلى ريشة فنان ، مرهفة و دقيقة في رسم تفاصيلها ،
لنكون أكثر انفتاحا على المعنى .
والزاوية المنطلقة منها ماهي إلا إضاءة هرمنيوطيقية قائمة على فك شفرة النص وإزاحة المعنى عن اللفظ و تقفي أثره حتى تنجلي الرؤى .
سيرة الضباب الأولى
—————-
يتشكل العنوان بدءا من سيرته الأولى عنوانا متدرجا، ينبِّئ عن سير متوالية و متلاحقة،
منسدلا منه طواعية النشأة والتطور ولطالما كان الضباب مرادفا للدخان ، نوع من الرهل ، قطرات من رذاذ الماء
فالضباب بدلالته وصوره مرتبط بكثافته كلما زاد ، احْتَجَبَت الرؤى ،وطُمِسَت المعالم ، ضيقت الأفق وعتمت الأرجاء.
والضباب بما يحمله من دلالة لونية ، فهو شَتَّان بَيْنَ الأبيض والأسود ، لون محايد يتصف بالهدوء ورباطة الجأش، ويعفي من فوضى العالم، غير أنه لا يحفز النشاط أو التجديد والإثارة.

يستهل الشاعر قصيدته
بالمشهد الأول
—————–
الضباب
احتلّ سريري
ونفذ إلى غرف بيتي
الضباب
توسّع……………… توسّع
مرق للخارج
لم يستأذن البيوت
اقتحم الأبواب
اقتلع
النوافذ
استولى على القرية…
بلغة رشيقة و
استعارات تصريحية حذف فيها المشبه به
وهو المحتل فالضباب
احتل / نفذ / توسع / مرق / اقتلع / اقتحم
استولى
والتجسيم هنا يضفي قوة و دلالة وإيحاء
دون أخذ الحيطة في تدارك الأشياء
فجاءت الأفعال كصورة قاطعة للحدث بالزمن الماضي
وما له من دلالات على المستقبل .
أفعال حكيت بمهارة
فالاحتلال يستغل هيمنته لتنفيذ خططه
((السرعة)) فالذي ينفذ هو الضوء
وعليه تتابع مناهجه ومشاريعه لإدارة أعماله
التوسع / الاقتحام / الاستيلاء التام .إن البعد المكاني وما له من دلالة ( القرية ..)
استحضار القرية كطلل، بما تحتويه من قيم و تتجلى فيه الشخوص والأحداث والذكريات ، تجعل الصورة أقرب ما تكون بحركتها إلى عين المتلقى.

٢ – المشهد الثاني
___________
(٢)
كلما كلمني
خرج من فمه الضباب
لم يستطع أن يحتفظ بالحروف بين شفتيه
أو يمسكها بأسنانه المتباعدة
كانت تتطاير
حتى من لسانه الذلق.
وكان الضباب
يسقطها
صرت لا أرى وجهه الضبابي
لكن أنفاسه أيضًا كانت ضابية
سحب ضبابٍ ساخنةً ملتفة
تلحس وجهي بلزوجتها
وريحتها..
و…..
كان صوته يعلو
ظل يعلو
وكنت بعدها لا أراه
لا أراه أبدا !!
***
كلما كلمني ؟!
دال مقيد ضد مجهول ،متوحش ،
كاسر لا يؤنس ولا يستأنس به ، مارد كالدخان
يتلاشى ، وكما بدأ الشيء ينتهي ، بطل من ورق
و قد ينزاح المعنى لدى البعض ليعبر عن الخيال .
إلى أية حد يهاب المتلقي الضبابية ،
ما الذي يخفيه ذلك الكائن الهلامي الموحش ويكشفه ؟!.
الغموض ، كائنات مروعة ، مدن تتصنع الهدوء وأخرى تستنزفه .
إن الضبابية لم تعد ظاهرة طبيعية بل أصبحت ثيمة حداثية للمجتمع بكافة منظماته وسياساته و مظاهره،
ثيمة متغيرة ومعقدة تكلفنا الكثير و تخلق أزمات وصراعات سياسية، اقتصادية ، مجتمعية ، قبلية ، ومعرفية .
إن التغير السريع الذي يشهده العالم خلق حالة من الضبابية والفوضى المصطنعة والكاشفة لتناقضاته .
نحن هنا أمام نص معالجة شعرية تبناها الشاعر الناقد ، لظاهرة أنها الأشد والأقوى في العمق والامتداد .
ضبابية المثقف العربي،
صورة المثقف العربي المحبط و المنكسر وخائب الظن
صورة باهتة ، متكررة ، نازفة ، صورة ضيقة الأفق ، تتلاشى ، لا تسعى للحوار الهادف البناء القائم على التواصل اللفظي بأسلوب حضاري ، كأسلوب ظل ملازما للنهضة الثقافية و الأدبية لكن مانراه على الساحة الأدبية من
العصبيّة والحدة في الحديث والتراشق ،و الاستياء والتهكّم والسخرية و إلقاء المجاملات ، هي صور تقليدية ، بعيدة لا تؤمن بالرأي والرأي الآخر والتفكير النقدي والإبداعي الحر .
صورة مضطربة ثنائية القطب ،صراع الكاتب مع ذاته وصراعه مع المشهد في حراكه السريع .
واذا ما كان المثقف العربي ابن بيئته هدفه معالجة قضاياه و خلق الوعي الهادف في سبيل تطويره فلا ضرر من خروج الفكر يلتقي فيه الرأي والرأي الآخر ويتقبله ، باعتبار أنه حامل للفكر و مستقيه .
استقراء المشهد العربي الأدبي تعود ما بعد الحداثة وحالة الإحباط التي يشهدها
وإذا ما كان الإنسان يعيش في زمن ثنائي الأبعاد و يضيع كالظل في منطقة ثلاثية الأبعاد فدون أدنى شك سيتلاشى في البعد الرابع (الخيال) استشراف المستقبل
***
المشهد الثالث

(٣)
خرج الطفل
الرجل
المعلم
الفلاحة
الطبيب
الشريد-المنفي الوطني في داخله
العالم الذي تتقافز الحروف من جيوبه
التاجر الذي يتلفت كثيرا
ينظر من طرفي عينيه
ويفرك يديه
خرج العاشق مهندمًا
قاصدا موعد الأشجار الخائفة
وفي جيبه رسالةٌ ووردةٌ يخبئهما
خرجت الغرة العذراء.. طائرةً..
متخفية
خرج الغزال الرشيق مبتسما
زمجر الأسد متباهيا
غرّدت أنا
انصبّت المحبرة على الورقة
تلوّثت يدي
والسجادة
غضبت زوجتي
طارت العصافير.. واختفت..
انكفاتُ على طاولتي
يعاقرني عدوّيَ الكرسي
جثمتُ كأنّي شبحٌ أبيضُ مقيّد.
لفّ الجميعَ الضبابُ في ساعةٍ واحدة
نزل كثيفًا فجأة
كثيفًا جدا
…. لم يعودوا
لم يرجع من خرج..
ومن بقيَ بقيَ متوجّسًا ينتظر!!
مشهد مكثف لما آل عليه العالم العربي ، من ثورات الربيع العربي والنزيف المستمر و الاحتجاجات ،متأثرا بموجة الضبابية المنعكسة التي اجتاحته ، دون تفكير أو وعي بالنتائج و الاحتمالات .
والتي ما زال وتضرب بعمق
شعور بالعجز و قيود الانتظار و تأكيد على حالة الصراع الدائم
***********

https://arbstars.com

شاهد أيضاً

من خواطرى : عمادالدين العيطة

▪على أغصان الهيام▪ أنا .. وأنتِ .. كالعصافير على أغصان العشق .. وفى عالم الأشواق …

اترك تعليقاً

WP2FB Auto Publish Powered By : XYZScripts.com