اسلاميات

إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر

بقلم / محمـــــد الدكـــــرورى

نرى فى هذه الأيام أمورا تمحق العمل الصالح وتحبطه وقد لا يشعر به صاحب هذا العمل ألا وهو الرياء الذى أصبح منتشرا بين الناس إلا ما رحم الله عز وجل ونسوا أن العمل الصالح، هو الخالص لله، الخالي من الرياء، المقيد بالسنة ونسوا أن الرّياء يجلب الفقر، ويعرّض صاحبه للفتن ، وأن والرّياء يفضح أصحابه على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.

ولكن كيف يعلم المرء إذا كان العمل الذى صنعه فيه راء أم لا فالجواب هو أنه إذا عمل العمل لله خالصاً ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين ففرح بفضل الله ورحمته واستبشر بذلك لم يضره أم إذا أراد هو الثناء والمدح من الناس فقد وقع العمل فى الرياء .

وأما حب إبراز النفس والتفوق فهو مذموم لأن العبد مطالب بالتواضع، وعلى قدر تواضعه تكون رفعته ومنزلته عند الله تعالى، ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَىَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلاَ يَبْغِى أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ “.

ولنعلم جميعا أن للرياء عقوبه شديده من الله عز وجل لصاحبه يوم القيامه ومن أعظم عواقب الرياء أن الله يضاعف عذاب المرائين، ويجعلهم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ، وأن الله تعالى توعد المرائين بعذاب شديد يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ .

ولا يقبل الله عمل المرائي، فقد قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ سورة البقرة:

والرّياء يحوّل العمل الصّالح إلى نقيضه، فيحمل صاحبه به وزرا بدلا من أن يكون له أجرا، أو يكون عليه سترا، ويفقد الانتفاع بأعماله أحوج ما كان إليها، وقد قيل في قول الله عز وجل (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) سورة الزمر

بمعنى قيل أنهم “كانوا عملوا أعمالا كانوا يرونها في الدنيا حسنات بدت لهم يوم القيامة سيئات” ، ولا يسلم المرائي من أن يفتضح أمره في الدّنيا، فيسقط من أعين النّاس، وتذهب هيبته، ناهيك عن حسرته يوم القيامة، فيظهر اللّه عيوب المرائي، ويسمعه المكروه، جزاء ما قدّمت يداه ، وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنهما “اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا”.

وإن الله عز وجل إنما أمر بعبادته عبادة خالصة، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء) فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به من العبادة الخالصة، فلا تصح عباداته، ولا تقبل منه ، ومن كان يرجو لقاء الله فعليه ألا يرائي بعمله، فقال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ سورة الكهف .

ولكون الرياء مضاداً للإخلاص عده النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إشراكاً بالله عز وجل فقال : “يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر”قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: “يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر”.

بل وخافه النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم على أمته أعظم من خوفه عليها من المسيح الدجال؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: “ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟” فقلنا: بلى يا رسول الله، فقال: “الشرك الخفي أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل”.

وكفى المرائين بطاعاتهم خسراً وهلكة أنهم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة؛ فعن أبى هريره رضى الله عنه قال حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “أن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعى به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله عز وجل للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟! قال: بلى يا رب، قال: فما علمت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله عز وجل: له كذبت، وتقول له الملائكة كذبت، ويقول الله تبارك وتعالى ، بل أردت أن يقال: فلان قارئ، وقد قيل ذلك، ثمّ أمر به فسحب على وجهه، حتّى ألقي في النّار.

ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله تعالى ،ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله عز وجل ، بل أردت أن يقال: فلان جواد، وقد قيل ذلك، ثمّ أمر به فسحب على وجهه، حتّى ألقي في النّار.

ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أي رب أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى : بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار.

ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ركبتي، فقال: “يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة”.

والمرائي بأعماله يتعب نفسه بغير منفعة، فإن الله لا يقبل من مراء عملاً، كما صح عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: “جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “لا شيء له” فأعادها ثلاث مرات، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا شيء له” ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: “إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغي به وجهه”.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب” وقال ايضا صلى الله عليه وسلم : “قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك”.

ومن قصد بعمله أحداً غير وجه الله، وكله الله إلى من قصده بعمله فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك”.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم “إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر” قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: “الرياء، يقول الله تعالى إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!”.

والرياء أكبر الكبائر، وأخبث السرائر، والمرائي في عمله يكذب على ربه، ويكذب على نفسه، ويكذب على الخلق، فإن المرائي يلبس ثوباً من التقى ليس له، ويتزين للخلق بظاهر جميل أفسده باطن قبيح، ولا يخلو المرائي من فضيحة الله له إن في الدنيا، وإن في الآخرة؛ له أيضا ما قاله النبى صلى الله عليه وآله وسلم “من قام مقام رياء وسمعة راءى الله به يوم القيامة وسمع”.

وكان من هدى السلف الصالح أنهم كانوا يتباعدون عن أسباب المراءاة بأعمالهم الصالحة بإخفائها عن أعين الخلق، لما لإخفاء الصالحات من أثر في إخلاص النيات، وسلامة القلوب، وكانت من صفات الأولياء أنهم يخفون أعمالهم، ولا يبرزونها للناس، بل قد لا يعرفهم الناس، ولا يأبهون لهم ..

فعن زيد بن أسلم عن أبيه: “أن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم جميعا ، خرج إلى المسجد يوما فوجد معاذ بن جبل عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكي، فقال: ما يبكيك يا معاذ؟ قال: يبكيني حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة” …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق