ساحة رأي

السيرك ! بقلم ا.د/إبراهيم محمد مرجونة

أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية-رئيس قسم التاريخ
كلية الآداب بدمنهور
خيمة السيرك عملاقة كبالون ضخم يحتوي كل العالم بداخله ، أما حلم السيرك ذاته فهو لا يفارق العيون، عالم من الألوان ودوائر الضوء، وأبطال من كل شكل ونوع يقدمون عروضهم أمامنا عندما كنا صغاراً، بطل الأبطال عندنا كان المهرج ذو الاصباغ الملونة على وجهه وفمه الذي يبدو أكبر من حجمه الطبيعي عندما يلون بالأحمر الناري وكأنه يوجه ابتساماته لكل الأطفال . وهو يتحرك داخل دائرة ضوء عملاقة وكأنه يحاورها ويهيئ لنا أنها تضحك معنا وتشاركنا الانبهار والدهشة ببطلنا المهرج الملون سريع الحركات.. دائم الابتسام.. كثير المشاغبات مع الأطفال الذين يسعدهم الحظ ويجلسون في الصفوف الأولى داخل خيمة السيرك.. الحلم والحقيقة كما كانت في حياتنا..كبرنا.. وجاء دورنا باصطحاب صغارنا لعالم السيرك المبهج والمتفرد.
نعم همومنا قد تتلاشى وسط الأضواء ودهشتنا المصحوبة بخوف واعٍ على لاعبي «التروبيز» أو القفزة على ارتفاع شاهق، ورؤية البطل الهمام المهرج صاحب السخرية من الواقع المكتظ بالسلبيات، فقد تمكن المهرج بحق أن يجمع بين الضحك والموعظة، فهو الشخصية الأكثر سيطرة على مشاعر المتفرجين، فدونما أن يدروا يتعاطفون معه بطريقة غير مباشرة، ففي أحيان كثيرة تجئ حركاته لتجعل المشاهدين يشفقون عليه ـ وتعليقات علماء النفس على شخصية المهرج متعددة الرؤية، فبعض المدارس في الطب النفسي تعتبر المهرج هو مفلتر للمشاعر الحزينة داخل الإنسان بطريقة غير مباشرة وأيضاً تلقائية ـ وأخرى تعتبره مطهر النفس من كل ما علق بها من مشاعر سلبية حطت برحالها عليها خلال مسيرتها في الحياة.
فكيف نرى السيرك بعد فوات سنوات من العمر تزج بنا إلى دائرة غير ضوئية، دائرة أعمق فهما لمفردات السيرك عما كانت لدينا من قبل ولكن نظرتنا قد تغيرت عن المهرج والخيمة ودوائر الضوء وكل فقرات السيرك. ففي هذا الزمان ضاعت الدلالات وغُيِرت المصطلحات وصارت الحياة سيرك نعم سيرك كبير يحاول أبطالها المزيفون ايهام الجميع أنهم أصحاب بطولات وقدرات خارقة وعلى الجميع أن يصدق رغم أن العرض باهت ومفتقد لبهرجة الألوان والمصداقية ،أينعم المشخاصاتيه الجدد يمشون على الحبال ويتحركون حركات بهلونية ويعزفون النفاق والكذب والرياء بتقنية عالية لكن ضاعت البهجة وعم الحزن واسدل الستار رغم أن العرض مازال مستمر. يقول العم صلاح جاهين:
يا للي بتبحث عن إله تعبده
بحث الغريق عن أي شيء ينجده
الله جميل و عليم و رحمن رحيم
إحمل صفاته … و انت راح توجده ….عجبي!
فمن يحيا حياة غير حياته أشبه بمهرج بلا رؤية أو رسالة لكنه وصل إلى شهرة واسعة،وذاع صيته وحين استفاق اعتزلها لأنه شعر أنه كان خارج جلده وخارج حقيقته ويعيش حياة غير حياته، فودع الأضواء واشترى نفسه ، وهم قلة.
أما عمال السيرك وهم كثر، والمنوط بهم الاعتناء بالحيوانات وتنظيف المكان، فجأة وبلا أية مؤهلات تم الاستعانة بهم لتقديم فقرات وقفزات عالمية ، فعاثوا في الأرض فساداً لأنهم لم يكن لهم اية بطولات إلا في سجل الانجازات التي صنعته أيدهم وحتى عندما أتيحت الفرصة للمهرج الحقيقي لتقديم فقرته عله يخفف العبء والهموم والأحزان عن المشاهدين فهرع لممارسة عمله كمهرج مرة أخرى لكنه عجز عن الآداء لأن المهرج الحقيقي الذي يطهر النفس من كل ما علق بها من الهموم قد مات.
فالكل ألا من رحم ربي أرتدى ملابس المهرج الملونة وقلد خفة حركته، وصاروا يحاكوا أداءه بعد تلوين وجوههم بمساحيق التجميل أمام المرآة، فتحولوا إلى أشباح ولم يعدوا مضحكين.وباقي فقرات السيرك مصطنعة غير حقيقة لأن عارضيها ليسوا بأبطال ولا يفقهون شيئاً عنها.
وأخيراً : أذا أردت أن تتدخل حلبة السيرك فكن نفسك ولا تتصنع ،اذرع الحياة سعيا بين جبلي نفسك ومتطلباتها لا متطلبات الالتفات بداخلك.
لا تضع نفسك موضع الريشة في مهب الرياح ،تتمايل يمناً ويساراً وعندما تحاول العودة بحثا عن مرفأك السابق فلن تجده؛ فقد استُهلك من كثرة تنقلك فلا تُرجىٰ منه منفعة بعد. كن جبلا صلدا لا تكسبه العوامل المحيطة إلا صلابة.كن مُسهبا في حق نفسك، مُنجزا للآخرين مع المراعاة لما لنفسك من حقوق في كل حال.كن طاعنا في الأمر متحملا على عاتقك مخاطر السفر بحثا عن أفضل الفرص للنفس.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق