ثقافة وأدب

محمد حسن حمادة يكتب: من روايتي أنا والمماليك(1)العثمانلي القديم والعثمانلي الجديد

طمس الهوية الدينية.

بعدما صليت بالأزهر الشريف اتجهت إلي قبة الغوري واختتمت زيارتي كالعادة بزيارة قبر طومان باي المدفون بقبة الغوري، في زيارتي الأخيرة لقبر طومان باي باغتني بنبرة يملؤها الحزن والأسى:
إلي متي؟
كيف هنت عليكم إلي هذا الحد؟
ظلت مصر تزرح تحت الحكم العثماني لمدة أربعة قرون، وظلت مصر تدفع الجزية لتركيا حتي عام 1952، ألم يكفيكم ذلك؟
جرد العثمانلي البغيض سليم الأول مصر من أروع مبدعيها ومهندسيها وصانعيها المهرة ورساميها وفنانيها وأرسلهم إلى إسطنبول وحل الجيش المصري الذى لم تتمكن مصر من استعادة تكوينه مرة ثانية إلا بعد 250 عاما من حله، والفاجعة الأكبر قضاء سليم الأول علي زعامة مصر الروحية التي استمرت من عهد السلطان بيبرس حتي عهدي وبعد شنقي نقل منصب الخلافة من القاهرة إلي اسطنبول؟

ألست قادما من مسجد الإمام الحسين وتوا غادرت حجرته الشريفة التي تحوي مقتنياته ومتعلقاته الشخصية صلي الله عليه وسلم.
بلي يامولاي.
مارأيته في حجرته الشريفة بعضا من كل فالجزء الأكبر من هذه المقتنيات النبوية استولي عليها سليم الأول ونقلها إلي اسطنبول فكما خص الله سبحانه وتعالي بلاد الحرمين الشريفين بالأماكن المقدسة وقبره الشريف خص مصر بآل البيت لتكون مصر مراقدًا لأجسامهم الطاهرة وخصها أيضا بنفحة من رائحته وآثاره صلى الله عليه وسلم ومقتنياته الشّخصية فسارع جدنا العظيم السلطان بيبرس بشراء هذه المقتنيات النبوية الشريفة
وأصدر أوامره لوزيره المصري الصاحب تاج الدين ابن حنا بشرائها من بني إبراهيم لتزين بلاد النيل وحفظها في مسجد “أثر النبي” الواقع بمنطقة ساحل أثر النبي في المنطقة الجنوبية من القاهرة، وبقيت آثار النّبي صلي الله عليه وسلم كاملة لم يمسسها أحد في هذا المسجد وحافظنا عليها نحن سلاطين المماليك حتي الغزو العثماني لمصر في عام 1571م، وبعد سيطرة العثمانيون على مصر وهزيمتنا بسلاح الخيانة الّتي لحقت بنا في معركة مرج دابق وعلي إثر شنقي احتل سليم الأول القاهرة، أخذ خليفة المسلمين المتوكل بالله الثالث أسيرا إلى تركيا وكما أمره بالتنازل عن الخلافة لآل عثمان أجبره علي التنازل علي جميع آثار الرسول عليه الصلاة والسلام التي كانت معروضة في مسجد أثر النبي بالقاهرة للعثمانيبن، ومن حينها وحتى اليوم تزين القصر الثالث المعروف باسم قصر (طوب قبو).

هل تعلم مااستولي عليه سليم الأول من آثاره صلي الله عليه وسلم ومقتنياته؟

سرق سليم الأول مفاتيح الكعبة وأبوابها التي كانت بمصر ونقلها إلي بلاده، وجزء من عصا النّبي عليه الصلاة السلام الّتي كان يتكئ عليها وأحد سيوفه ومكحلتة صلي الله عليه وسلم الّتي كان يستخدمها في تكحيل عينيه وقارورة الوضوء وحجر التيمم الخاص بالنّبي عليه الصلاة والسلام، والوعاء الذي سقى به سهل بن سعد الماء للنبي بعد أن غلف بالفضة وختم النبي عليه السلام وهو مصنوع من أحجار كاميليون الحمراء محفور عليه ” محمد رسول الله”، وكان الختم مثبتا على الخاتم الذي كان يرتديه الرّسول عليه الصلاة والسلام وتناقله من بعده الخلفاء الرّاشدين حتى سقط من إصبع عثمان بن عفان رضي الله تعالي عنه في بئر إيريس، وعلى الرغم من بحثه عنه لفترة طويلة، إلّا أنّه لم يتم العثور عليه، ممّا اضطر عثمان بن عفان لصنع واحد جديد مطابق له.
وبردتة صلي الله عليه وسلم السوداء التي كان يستخدمها الخليقة العباسي في مباركة سلاطين المماليك، وتم حفظ البردة الشريفة في غرفة خاصّة في البهو الرّابع من القصر وعمامة الرسول عليه الصلاة والسلام باللّون الأسود وكانت علامة الخلافة لمن أتى بعده من الخلفاء وحذاء الرّسول عليه الصلاة والسلام.
ورسائله صلي الله عليه وسلم منها رسالة تخصكم رسالتة صلي الله عليه وسلم الّتي أرسلها إلى المقوقس عظيم مصر والرّسالة الّتي ردّ فيها النّبي عليه الصلاة والسلام على مسيلمة الكذاب.
ورايتة الشريفة باللّون الأحمر الّتي رفعها علي بن أبي طالب أثناء فتح خيبر، وقد قام العثمانيّون بخياطتها على قطعة من الحرير الأخضر وخاطوا عليها أسماء الله الحسنى وأسماء العشر المبشرين بالجنّة بخيوط من الفضة، وشعرة من ذقن النّبي عليه الصلاة والسلام، وشعيرات من رأسه وسن النّبي عليه الصلاة والسلام الّذي سقط أثناء قتاله في غزوة أحد، وقد حفظ في وعاء من الذهب والفضة، ونقش لأثر قدمه وجدت في قبة الصخرة بعد حادثة الإسراء والمعراج.
لم يكن استعمارا عسكريا بل غزوا ثقافيا وحضاريا ودينيا لسلب مصر من أعز ماتملك من شخصيتها وهويتها وتراثها وزعامتها الدينية، فبمجرد دخول سليم الأول لمصر حاز لنفسه لقب (خادم الحرمين) الذي كان يلقب به سلطان مصر المملوكي لسلب مصر من زعامتها الروحية والدينية.
هل نسيتم أن إسطنبول لم تصبح مدينة عالمية ذات شأن وهوية إسلامية وتحضر إلا بالصناع والمبدعون والفنانون المصريون الذين خطفهم سليم الأول من القاهرة بعد الغزو وحملهم إلي بلاده عنوة فنهضت عاصمة العثمانيون علي أشلاء القاهرة فأناروا بلادهم بعلمكم وزينوا متاحفهم وقصورهم بذخائر ونفائس حضارتكم وأطفاؤا مصابيح مصر بالجهل والمرض والتخلف وأثقلوا الشعب بالمكوث والضرائب طيلة أربعة قرون لتصبح مصر مجرد ولاية عثمانية بعدما كانت مقرا للخلافة والزعامة في عهدنا؟
إلا جهة واحدة في مصر لم يصلوا إليها ولم ينجحوا في فرض سيطرتهم عليها إنه الأزهر الشريف يابني الذي كان بصيص الأمل وبقعة الضوء الوحيدة التي حفظت مصر وانتشلتها من كبوتها أدرك علماء ومشايخ الأزهر معي اللعبة العثمانية من البداية فقد كان علماء الأزهر ينظرون لسليم الأول علي أنه غازيا محتلا وقائد الفئة المسلمة الباغية فلا يوجد داعيا شرعيا يتكئ عليه العثمانيين لغزو مصر المملوكية التي كانت تابعة للخلافة العباسية والمذاهب السنية الأربعة،
مصر المملوكية التي هزمت الصليبيين والتتار وحفظت للإسلام عزته وصانت كرامته، فانضم علماء الأزهر للجيش المملوكي وانضووا تحت لواء السلطان الغوري علي رأسهم قضاة مصر الأربعة : كمال الدين الطويل الشافعي ، ويحيى الدميري المالكي ، وأحمد الفتوحي الحنبلي ، وحسام الدين بن الشحنة الحنفي، ومعهم جماعة كبيرة من القضاة نواب الأحكام، والعلماء والمشايخ، والوعاظ، والأئمة، ومشايخ القراء، والمؤذنين، حتي الخليفة العباسي نفسه المتوكل على الله الذي كان يعد نفسه من العلماء كان في صفنا بيد أن الهزيمة حلت بجيشنا ياولدي في موقعة “مرج دابق” بالشام في سنة 922 هـ/ 1516م وقتل فيها عدد عظيم من القادة والجنود المماليك، وعلى رأسهم السلطان الغوري، كما قتل سليم الأول عدد من العلماء والقضاة والأئمة، وأسر عددا كبيرا من الجيش المملوكي وأسر من أسر وكان من جملة المأسورين قضاة القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنبلي، أما قاضى القضاة الحنفي فقد تمكن من مرافقة الفلول المنسحبة إلى الجنوب صوب مصر، لم يمهلنا سليم الأول لالتقاط الأنفاس فواصل زحفه صوب مصر، فانتصروا علينا في موقعة غزة ثم في الريدانية ليدخلوا مصر في شهر المحرم سنة 923 هـ يناير 1517م.
فوقف الأزهر وعلماؤه بكل حزم وقوة ضد عثمنة مصر وحافظ الأزهر على لغتها العربية وعلي هويتها مما أهلها للعودة ثانية بعد أربعة قرون من الظلام والفوضي إلي النور والحداثة والتطوير.
قدمت روحي فداءً وقربانا لمصر عن طيب خاطر ألذلك تعاقبونني!
والآن التاريخ يعيد نفسه ويكرر العثمانلي الجديد خطة وأساليب العثمانلي القديم في العصر الوسيط، ويمارس أردوغان سلطان الأناضول الغازي العثماني الجديد نفس الاستراتيجية ونفس السياسات لكبح جماح النفوذ المصري فيتعاون عسكريا مع السودان والصومال، ويعزز نفوذه في البحر الأحمر ليضيق الخناق ويهدد أمن مصر القومي تهديدا مباشرا ويتعاون بصورة مباشرة مع حليفه القطري في الخليج العربي لتفسح له الدوحة موطئ قدم في الخليج العربي لم تكن تحلم به لإغراق مصر بالإرهاب ويعلن علي الملاء دون حمرة من الخجل ترحيله للإرهابيين من الرقة إلي سيناء لضرب وخراب مصر.

مولاي السلطان طومان باي حنانيك لم أعهدك هكذا من قبل ماذا حدث ما الأمر؟
بعدما هداء…كيف تطلق مصر اسم الطاغية سليم الأول علي واحد من أكبر وأهم شوارع القاهرة؟
ولاتكتفون بذلك هل ضاقت بكم الدنيا لتطلقوا اسم غريمي علي الشارع الموازي والمجاور لشارعي الذي يحمل اسمي؟
هل بهذا تكرمونني أم تمعنون في إذلالاي؟
من المماليك إذن نحن أم أنتم؟
لماذا يرق الضحية لجلاده كما يرق العبد لنخاسه؟
ماالذي تغير في مصر بعد ثورتين؟
مازال سليم الأول سلطان الأناضول الجديد رجب طيب أردوغان يحلم بعرش مصركم حتي يرتدي طيلسان الخلافة؟
مازالت المخططات العثمانية كما هي لم تتغير ماذا فعلتم لمجابهة الوالي التركي الجديد؟
أخيراً منحني فرصة للإجابة.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق