ثقافة وأدب

ملامح مسرح بريخت في مسرحيات  د. سناء الشعلان

مسرحية "دعوة على شرف اللون الأحمر "نموذجاً

  بقلم : عباس ب م

 أستاذ مساعد ، الكلية الحكويمة بالوشيري/ الهند

المسرحية لغةً هي كلمة مشتقة من المسرح ، وهي الخشبة التي يُقدَّم نص سردي عليها ، أما اصطلاحاً فهي نوع من الفن الأدبي الذي تمثل فيه فئة من الأفراد حادثة إنسانية ، حيث يحاكون أدوارها بناءً على حركتهم ودورهم على المسرح ، بالإضافة إلى الحوارات التي تتم بينهم فيها ، وقد تكون جميع أحداثها متحققة   ، أو بعضاً منها متحقق ، ويجوز أن يكون قسماً منها من الخيال أو من الواقع ، والغاية من هذا الفن الأدبي هي الانتقاد ، أو التثقيف ، أو المتعة الفنية ، أو العظة.

المسرح  يدل على المكان الذي تمثل فيه المسرحية أي مكان تجري فيه أحداث المسرحية. فالمسرح هو حاجة اجتماعية عامة ويرتبط المسرح بالحياة أشد الارتباط ، لانه يتصل اتصالا مباشرا بمشكلات الحياة التى تقع بين الناس وتتمثل في حياة النفس الإنسانية. فالمسرح أحد فنون الأداء أوالتمثيل الذي يجسد أويترجم قصص أو نصوص أدبية أمام المشاهدين باستخدام مزيج من الكلام، الايماءات، الموسيقي والصوت على خشبة المسرح، وبسبب ذلك سمي المسرح بأبي الفنون، لأنه يجمع عدة فنون كالرواية أو القصة مع الرقص والصوت.   نجد المسرح يقوم على ثنائية  (النص \ العرض) حيث أن الطرف الأول في الثنائية يجعله قريبا من الأجناس الأدبية، في حين يجعله الطرف الثاني جزءا مما يسمى بفنون الفرجة. يعتبر المشاهدون من أهم العوامل اللازمة لإتمام ما يسمى بالعرض المسرحي، ويطلق عليهم الجمهور.

يؤدي المسرح دورا مهما في الحياة ، بل إن المسرح هو الحياة ،حيث  يعتبر  تجسيدا لقيم  حياتية وإنسانية يستطيع  المسرح ترسيخها فى نفوس الجماهير  والشعوب والمجتمعات بكل بساطة وسهولة وأريحة. فيتأثر  المشاهد بالفكرة التى تعرض على المسرح من دون أن يشعر  وتعلق  بوجدانه بعض الأفكار والشخصيات التى تأثر بها من خلال المسرح الذي يتناول قضايا مهمة وحساسة بالنسبة إليه. لذلك يعتبر المسرح محاولة جادة للتغيير  حيث يساهم بشكل كبير فى تغيير الأوضاع وتسليط الضوء على القضايا المهمة وعرضها والعمل  على معالجتها وهو بناء على ذلك أيضا يعتبر  تمردا على ما هو موجود.

المسرح الملحمي هو حركة مسرحية ولدت فى ألمانيا في بداية القرن العشرين  والجزء الكبير من نشأة هذه الحركة هي نتائج نظريات التطبيقات المسرحية لبيرتولد بريخت والتى كانت مختلفة عن المسرح الأرسطي . فالمسرح عند برخت قائم على تحرير الفن المسرحي  ومنحه وظيفة تربوية وأداة ثورية لتحرير الطبقات المقهورة في المجتمع  على الثورة وقد بدأ بريخت ثورته على المسرح الدرامي بخلق نموذج جديد يتماشى على متطلبات عصره ، يتمثل  فى المسرحية التعليمية التي ساعدته على رفع  مبادئه الأولى في المسرح الملحمي شكلا جديدا مغيرا للشكل الأرسطو .

المسرح الملحمي  هو إتجاه مسرحي يولي أهمية قصوي  بالمضمون ،ويعتبره أهم من الشكل  ، كما أنه  يعتبر الحقيقة  أهم الايهام  المسرحي والمجاز.وبرتولد  بريخت هو أحد كتاب المسرح العالمي  فى القرن العشرين  ومذهبه  فى المسرح يقوم على فكرة أن العنصر  الأهم فى تكوين العمل المسرحية من أجله هو المشاهد ،حيث تكتب  المسرحية من أجله، حتى تثير  لديه التفكير والتأمل  فى الواقع ، وكذلك  أتخاذ موقف  ورأي  من القضية التى يتناولها العمل المسرحي  ويعتمد بريخت فى عدة أساليب فى كتابة المسرحية ومن أهم تلك الأساليب.

  1. هدم الجدار الرابع والمقصود من هذا الأسلوب مشاركة المشاهد فى العمل  المسرحي  ، كما أن هذا الأسلوب  يعلي من قيمة المشاهد،  ويعتبره العنصر الأهم فى كتابة  المسرحية ، ويعنى الجدار  ان خشبة  المسرح  التى يؤدي الممثلون  أدوارهم  تشبه  الغرفة التى  تتكون من ثلاثة جدران ، أما الجدار  الرابع فهو  وهمي ، وهو الذي  يقابل  الجهمور.
  2. التغريب  ، والمقصود  به جعل  الأحداث  العادية اليومية غريبة  ومثيرة للدهشة ، وجعلها  أيضا باعثا على التفكير والتأمل.
  3. المزج بين الوعظ والتسلية ، أو بين التحريض السياسي والسخرية الكوميدية.
  4. استخدام مشاهد متفرقة،  حيث تتكون بعض  مسرحيات بريخت من مشاهد متفرقة ، تقع أحداثها  فى أزمنة مختلفة  ولا يربط  بين الأحداث  سوى  الخيط  العام للمسرحية ، مثل مسرحية  .مثل  مسرحية ” الخوف  والبؤس  فى الرايخ  الثالث 1938 ، فقد تتكون  من مشاهد متفرقة.
  5. استخدام أغنيات بين المشاهد، والهدف من الفصل بين المشاهد بأعنيات هو المزج  ما بين  التحريض  والتسلية ( برتولد ، نظرية  المسرح الملحمي ، ص 112)

فى الحقيقة المسرح البريختي  ثورة على تقاليد المسرح الكلاسيكي السائد وقتها .فتمرد عليه بريخت واستطاع أن يمنح المسرح مجموعة قيم ومزايا إضافية عززت من أهمية فى تناول ومعالجة القضايا والمشكلات التى يواجهها المجتمع  .

إن فلسفة برتولد بريخت تخالف المفاهيم الدرامية الشاسعة مخالفة صريحة في كل مناحيها وأصولها إذ تتعرض للفن المسرحي بشكل جديد تمام الجدة وبمضمون مبتكر كل الابتكار يتمثل فى التغريب، من هنا كانت تلك الزوبعة التى أحدثت انعطافا واضحا فى العمل المسرحي ، لا في أوربا فحسب بل في العالم عامة والمسرحي الاردني خاصة.

ملامح البريخت فى مسرحيات سناء كامل الشعلان

وفى هذه المقالة أحاول أن أقف ملامح  المسرح الملحمي فى مسرحيات سناء الشعلان.  ما مدي  تأثير بريخت فى المسرح سناء وكيف  أثر فيه من الأساس. ما الدافع وراء اختيار سناء الشعلان  المسرح الملحمي. هناك سبب خاص  الذي دفعنى إلى اختيار هذا الموضوع  ومنها استكشاف  مدى ارتباط المسرح  البريختي  بالمسرح  لسناء الشعلان .ومن هذا المنطلق  اتخذت الدراسة الاتجاه الذي سيتم تعريف  المسرح الملحمي  وتقنية التغيريب التى استخدمها بريخت فى مسرحه. أكد بريخت على عجز المسرح الأرسطي  (الكلاسيكي ) عن توصيل  رسالة تستفز تحرص المتلقي وتستفزه وتثير غضبه  وتجعله عضوا فعالا. يتمرد على الأوضاء  السيئة ويعمل علي تغييرها .لذلك كرس بريخت اهتمامه علىي تحطيم الايهام.

تقول الشعلان عن هذه المسرحيات : “أكتب المسرح عندما يكون الحس الدرامي الصراعي مستيقظا في داخلي إلى حد أنني أشعر بأن الشخصيات تتصارع في أعماقي ، عندما لا أستطيع أن أمنعها من الخروج على خشبة المسرح التي في ذهني للتعارك عليه حتى أسجل ذلك الورق ،ويخرج النص المسرحي مكتوبا على الورق ”

سيلفي مع البحر ومسرحيات أخري

وهي مجموعة مسرحية تضم ست مسرحيات وهي دعوة على شرف اللون الأحمر ، وسيلفي  مع البحر ، ووجه واحد لاثنين ماطرين ، ومحاكمة الاسم والسلطان لا ينام وخرافية سعدية ام الحظوظ . تتراوح المسرحيات بين مسرحيات متعددة الشخصيات وبين مسرحيات مونودرامية، وهي تقدم الصراعات التى يعيشها الإنسان لا سيما العربي ظروف قاسية. تقول الشعلان عن هذه المسرحيات : “أكتب المسرح عندما يكون الحس الدرامي الصراعي مستيقظا في داخلي إلى حد أنني أشعر بأن الشخصيات تتصارع في أعماقي ، عندما لا أستطيع أن امنعها من الخروج على خشبة المسرح التي في ذهني للتعارك عليه حتى أسجل ذلك الورق ،ويخرج النص المسرحي مكتوبا على الورق.مسرحيات سناء الشعلان تقدم تجارب  مختلفة  كتبت على منوال مسرح التغريب . فإن الفكرة الأساسية بريخت هي الاغتراب .

دعوة إلى شرف اللون الأحمر

مسرحية من  مجموعة مسرحيات لسناء الشعلان “سيلفي مع البحر . دعوة معناها العام الحلف  ، شرف معناه الحسب بالأباء  ،اللون الأحمر لون أساسي  يدل على القسوة والثورة والغضب والإثم والخطر .

هناك دعوة يجتمع فيها أطراف معينة ومختلفة ،ومبدأ هذه الدعوة وهدفها شريف وسامي أي القضية المتناولة والمتحاور عنها في هذه الجلسة والدعوة ،شريفة ونبيلة ولكن السبيل لتحقيق  هذا المطلب يكون بالتضحية والفداء والجهاد وهنا يعكسه اللون الأحمر. فاتضح لي أن المدعوين  تمثل شرائح من المجتمع العربي ” الروائية ، الضابط ، الطبيب ، المجنون ، السياسية الغجارية العسكريان المشاهدة والمشاهد المخرج وموضوع الاجتماع واللقاء هو القضية الفلسطينية وعكس ما تعانيه من ويلات الظلم والاضطهاد من خلال هذه الشخصيات وصراعها الحاد كان الهدف هوتحقيق  الحرية وتحرر فلسطين من قبضة الكيان الصهيوني ، وهذا لا يتأتى إلا بالاستشهاد ، والتضحية أي وضع اليد باليد ، والتكافل من أجل وطننا الجريحة فلسطين وهذا عكسه اللون الأحمر فى العنوان .

الأدبية “سناء الشعلان ” عمدت على نقل  تفاصيل الحياة اليومية من خلال شخصيات المسرحية وموضوعها العام وهذا النوع من التجريب يقوم بتقديم خبرات الحياة الشخصية. إن الكتابة الدرامية  محكومة بحياتين. فالكتابة المسرحية هي الوجود الأول والعرض المسرحي هو الوجود الثاني  : والعرض المسرحي يمضي ويتلاشى خارج رحم الزمن.

“إن جمالية النص المسرحي  تجسدت في الموضوع المتناول الذي حاكت فيه الأدبية الوضع العربي المعاش بشكل عام والواقع الفلسطيني على وجه الخصوص.فكانت الأدبية سناء الشعلان لسان العربي الأسير والظلوم وصورته فى كل حالاته وحملت قضاياه على عاتقها”.[1] فهي تعادي وترفض كل أشكال الاستبداد والظلم. تصف الأدبية نص مسرحيتها قائلة:”  إنه يجنح إلى التجريب المفتوح على التأويلات المتعددة والمتعالقة مع الكثير من الرؤي الوجودية الكبرى في الحياة الإنسانية وصولا إلى الانخراط في المبتغي الإنساني  الكبير المتمثل في جملة أحلامه ووقائعه ومحرماته  وتابواته وانكسراته وأحلامه وحقائقه”[2]..

تمكنت الأديبة سناء الشعلان أن تكتب هذه المسرحية على نمط البريخت .فملامح التغريب واضح لدي القراء.تعطي تجارب الجذاب لمن يحب المسرحية . من خلال قراءتنا لمسرحية سناء الشعلان نلاحظ وجود تقنية البرخيت .ومن التقنيات التى استخدمتها فى مسرحية ” دعوة على شرف اللون الأحمر”.

موضوعة التغريب:

من خلال قراءتنا نجد فى المسرحية كلمة الأحلام .بالنسبة الى الانسان العادي والخاص لا يبالي ولا يهتم كثيرا بهذه الظاهرة من الظواهر .ولكن هنا جعلت الأديبة شعلان كلمتين ” الأحلام ” واللون الأحمرغريبة . نلاحظ وجود خطابات ملحمية غنية بأبعاد إنسانية من خلال قولها:

الروائية: (بالنفعال ) بل الأحلام ممنوعة فى كل ليلة.

الغجرية (بإصرار) بل مسموح بها لهذه الليلة فقط، لأن ضيوفك هذه الليلة مميزون[3]

الروائية: ماذا تعني بالأحلام ذات اللون الأحمر؟

وقد وظفت شعلان التغريب فى هذه المسرحية بكل غرض وغاية.انها تأثر بهذه التقنية وجاءت بها إلى النص لكي تتجمل المضمون . حيث يقول بريخت” تغريب حادثة أو الشخصية ، وبالتالي إثارة الاندهاش والفضول حولها”.

هدم الجدار الرابع:

لم تغفل شعلان استخدام هذه التقنية فى المسرحية حيث نلاحظها خلال القراءة.

-المجنون :القمر فى جيبي ، هو أيضا ملوّن ( يشير الى المشاهدين قائلا: أنتم كالعادة متفرجون ، فقط متفرجون ، لاتعنيكم  الأصابع المقطوعة ولا الأحلام الملونة ان أستطيع  أن أقرا أفكاركم اللعينة، كلكم  تحملون بالأحلام الملونة. سيأتي  اليوم الذي تعاقبون به على ذلك ، العقاب  آت لكل من يثبت  أن في رأسه أحلام تتلاعب به). [4]

فالمتلقى والمشاهد أعطى له أهمية فى تواصل معه عبر الخطاب المسرحي الهادف.تثير أذهان المشاهدين لإدراك مسؤولية المشاهدين فى القضايا التى تهتم بهم.إنها كلمات تبرز ما هو سائد في واقعنا العربي الراهن وتدعو المتلقي للتفكير فيها.إذن مؤثرات ملحمية والتغريبية ذات أبعاد ضمية تنادي المتلقي.

وفى الختام أو التأكيد على الأمر المهم التالي:

مسرحية “دعوة على شرف اللون الأحمر ” مسرحية مكتوبة فى نمط واسلوب البريخت وهي تصوير الأحداث والمشاكل التي يعيشها الإنسان العربي بصفة عامة ، أملا منه لتغيير هذا الواقع المليئ بالصراعات والقلق والاضطراب ….

هي تصور قضية فرد وأمة وشعب ، بحس إنساني وروح مشرقة على فجر الحرية الآت في الأفق المنتظر .

المراجع :

  1. سناء الشعلان ، دعوة على شرف اللون الأحمر
  2. اسماء مزوز، التشخيص فى مسرحيات سناء الشعلان
  3. محمد تحريش ، فى الرواية والقصة والمسرح
  4. http:/en.Wikipedia.org/wiki/sana_schalan

. أسماء مزوز ـالتشخيص فى مسرحية سناء الشعلان ص 67[1].

[2] . اسماء مزوز المرجع نفسه ص 67

[3] .سناء الشعلان – مسرحية دعوة على شرف اللون الأحمر

[4] .سناء الشعلان –مسرحية دعوة على شرف اللون الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق