تاريخ وذكريات

الدعارة الفكرية … بقلم ا.د/إبراهيم محمد مرجونة

أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية-رئيس قسم التاريخ
كلية الآداب بدمنهور
إن قوة الفكر قادرة على احداث المرض و الشفاء منه وهذا قول ابن سينا، فالمفكر في تعريف مبسط له يمكن أن يستدل عليه من ثلاثة أنواع : شخص يحمل عديد من الأفكار والنظريات ذات المعرفة الواسعة، الشخص الذي تكون مهنته (العلم، الطب، القانون، الأدب… الخ) وينهمك في إنتاج ونشر الأفكار، شخص ذو خبرة فنية وثقافية بارزة تمنحه وزن ومكان مرموق في الخطاب العام.
إن المثقف الذي يرتقي لدرجة مفكر ليس فقط حامل شهادات أو قارئ كتب، أو الشخص الذي يملك القدرة على الكتابة والتحليل. بل هو من يتأثر ويؤثر في المجتمع عبر كتاباته وانتاجاته الثقافية. هو ذلك الكاتب، المحلّل، الفنان، الأديب، المفكر،والعالم الذي ينتج رأياً، ويصنع أفلاماً وقصائد تساهم في بناء الوطن. إنه ليس ذلك التاجر الذي يبيع قلمه من أجل المال، أو المنصب، أو من أجل نصرة طائفته. هو لا يتعاقد مع زعيم، أو منظمة، أو شركة، بل يتعاقد مع الروح، مع الضمير، من أجل أفكار تحمل مبادئ وقضايا ورؤيا للإنسان.
واجب المثقف تجاه وطنه ليس كواجب أي مواطن آخر. واجبه أكبر من غيره بكثير. كلّما اتسعت ثقافته، وترسخت قدرته على التأثير، زادت مسؤوليته في التغيير. الخطأ الذي يرتكبه أكبر من أخطاء الآخرين، وخيانته أعظم من خيانة الآخرين.
المثقف هو الإنسان الذي لا يرضى بالواقع كما هو، بل ينطلق منه من أجل تغييره. هو يتخطى الحدث، يسلك طريقاً محفوفاً بالخطر، من أجل أن يفتح الدروب، ويصنع التاريخ. فالمفكر عليه أن يحرك المياه الراكدة ويحدث تغير في الخريطة الذهنية في المجتمع المحلى والإقليمى والدولي، وينقش ابداعاته نقشا فرعونيا يستحيل طمسه، وبه ينصلح المجتمع.
وفي المقابل نجد ان صاحب الفكر والمثقف البراجماتي الذي ارتبط بالثقافة والفكر برابطة الدعارة الفكرية وهذه الدعارة متنوعة وعديدة الاشكال, وهي ابشع واحط واقذر من دعارة الجسد فالدعارة الفكرية بيع للمواقف وتكسب من التبدلات وفتح للغرف على مصراعيها لكل الاطراف وجني المال الحرام من كل راغب في صناعة الكيف الفاسد او الحالة المزاجية المزيفة، بل يتساومون على بيع الوطن بثمن بخس , يبيعون أفكارهم وابداعاتهم إن وجدت علنا وبدون حياء او خجل مطبقين (اذا لم تستح فاصنع ما شئت) واسمحوا لي ان اقارن هذه الدعارة مع دعارة بيع الجسد لا تشجيعا او تأييدا بل مقارنة, لأبين لكم كم ان الدعارة الفكرية هي اقبح واذل وادنى من دعارة الجسد, التي هي ايضا مذمومة بينما دعارة الجسد لو قارناها بدعارة الفكر فهي اقل ضررا بالرغم من انها ايضا مؤثرة على القيم والاعراف والمجتمع ان دعارة الجسد بيع للشرف بدون تمييز ومرض اجتماعي خطير, الا انها في النهاية قرار شخصي لا يؤثر على الاف البشر كما تؤثر الدعارة الفكرية التي يمكن ان تضر بملايين البشر, حتى لا يجوع ممارسوها ويأكلون باثداء الناس ان دعارة الجسد اخف وطأة واقل حدة .وهي في النهاية بين امرأة ورجل او بين الشواذ في حين ان الدعارة الفكر اشد قسوة واكثر ايلاما واعتى خطورة.
والاسوء عندما يتقلد أصحاب الدعارة الفكرية المناصب العليا وتغلق الأبواب ويحتمي صاحب الفكر الفاسد بمنصبه وينسج له خياله المريض قصص وحكايات يوظف فيها ما لديه من فكر وثقافه وموروث في صناعة المكائد والدسائس بأسلوب علمي ومنهجي كي يجني ثمار ويحصد مكاسب في عمليات غسيل الأفكار وهى أقرب إلى غسيل الأموال.
فانه من غير المقبول على الإطلاق أن يكون حملة التنويرومصابيح الهدايه للمجتمع يمارسون دعارتهم على الورق والصحف وفي وسائل الاعلام, وفي مؤسساتهم التعليمية والأكاديمية حيث وثق فيهم الرأي العام, واعطاهم بمضي الوقت المصداقية, وتوهم انهم منزهون عن التبدلات غير المبررة وعن بيع الافكار وتزييفها وعن الارتشاء العقائدي وعن ادخال الاراء والمواقف في مزاد لمن يدفع اكثر.
والخلايا السرطانية للدعارة الفكرية انتشرت وتوغلت في كيان البعض ونفوسهم بل لا ابالغ ان قلت أن البعض تجرؤوا على الذات الإلهية تحت مسمى الإبداع وحرية الفكر والتنوبر من وجهة نظرهم،قال سبحانه وتعالى (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)، علينا أن نتأدب ونهذب نفوسنا ونرتقي بأفكارنا يقول صلاح جاهين :
مين اللي كوّر الكرة الأرضية
مين اللي دوّرها كده بحنية
مين اللي في الفضا الكبير علّقها
ما تقعش منها أي نقطة ميه
مين اللي عمل البنى آدمين
مفكرين ومبدعين
مين اللي إدانا عقول وقلوب
وشفايف تسأل هو مين؟
وأخيراً وكما يذكر غاندي : الانسان ما هو إلا نتاج أفكاره فما يفكر به ، يصبح هو.
وعلينا جميعا ادارك حقيقة أن المثقف من يستطيع عقله مراقبة نفسه.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق