اسلاميات

سموّ الحب والرومانسية .. النبي القدوة!

بقلم: ا.د.” علاء الحمزاوي “رئيس قسم اللغة العربية باداب المنيا
ــ الحب بين الناس نعمة من الله تستوجب الحمد والشكر والثناء؛ لأن الله هو الذي يرزق الناس الحب، قال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}، و{حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}.
ــ وأعلى مظاهر الحب حب الله، وهو يستوجب طاعته؛ لأن المحب لمن يحب مطيع، ومن يحب الله يحبه الله، وقد ذكر القرآن سبع صفات يحبها الله في الناس، وسبع صفات لا يحبها فيه، فالله يحب المحسنين والتوابين والمتطهرين والصابرين والمتقين والمتوكلين والمقسطين، وفي المقابل لا يحب الله المعتدين ولا الظالمين ولا المستكبرين ولا المفسدين ولا الخائنين، ولا يحب الأثيم ولا يحب الفخور.
ــ ثم حب النبي، فهو شرط لصحة الإيمان، ففي الحديث “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين”، بل حبُّه أولى من حب المرء لنفسه، قال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}، و”قال عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: فإنك الآن والله أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال النبي: الآن يا عمر”!
ــ ثم حب الشهوات، {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ}، فالشهوات تتمثل في النساء والأولاد والمال الكثير عينا أو نقدا والخيل الغُرّ المحجّلة أي المتميزة بعلامات بيضاء والحيوانات النافعة والزرع، ومما يلفت نظرنا في الآية كلمة {البنين}، فالمقصود بها الذكور فقط، بل إن الكلمة أينما وردت في القرآن قُصِد بها الذكور، وفي ذلك إشارة إلى أفضلية الذكور على الإناث في ثقافة الناس وفطرتهم، ولذلك جعل الله الذكور من زينة الدنيا، فقال تعالى: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا}، وكأن المال أهــمّ عند الناس من بناتهم، وبدأت الشهوات بحب النساء؛ لأنه أهم أنواع الحب، ويستطيع كل إنسان غني أو فقير أن يمتلكه، ولا يستطيع كل إنسان أن يمتلك بقية الشهوات المذكورة في الآية.
ــ وحب النساء نوعان: مشروع وممنوع، المشروع يثاب عليه العبد، وهو الزواج، {خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}، السكن هو العشرة الطيبة والطمأنينة والاستقرار وهدوء النفس، وقال {مودة} ولم يقل “حبًّا”؛ لأن المودة هي المشاعر والأحاسيس الطيبة المتبادلة بين الزوجين وهي أرقى مظاهر الحب؛ فالحب أعـــمّ، وقد يُقصد به العلاقة الجسدية فقط، وقد يكون من طرف واحد، والرحمة هي كل ما يؤدي إلى قوة الترابط بينهما من التسامح والتغافل والتنازل والتعاطف والعطاء والإيثار والتضحية.
ــ والحب بين الزوجين يحتاج إلى تصرّفات مادية للتعبير عنه كشراء هدية أو نزهة خلوية أو موقف رومانسي أو كلمة طيبة، والنبي الكريم قدوة في ذلك، فكان يظهر حبه لزوجاته، قال عن خديجة: “إني رُزِقت حبّها”، وقبَّلَ إحدى نسائِه ثمَّ خرجَ إلى الصَّلاة ولم يتوضَّأْ، وذات مرة حمل السيدة صفية على ركبتيه لتركب بعيره، صنع ذلك أمام جنوده ولم يخجل منهم وهو يظهر الحب والمودة لزوجته، وكان يسابق السيدة عائشة، سبقته مرة ثم سبقها مرة، فقال لها: هذه بتلك!
ــ وكان يداعب عائشة بقوله: “يا عائشُ، هذا جبريلُ يقرئكِ السَّلامَ”، ويناديها: “يا حميراء”، تصغير حمراء ومعناها المرأة البيضاء المشربة بحمرة الوجه، وكان لعائشة عرائس لعب، وكانت تخبّئها عن رسول الله، وذات يوم رآها، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقالت: بناتي، ورأى النبي فرسا بين اللعب له جناحان، فقال لها: وما هذا؟ فقالت: فرس، فقال: فرس له جناحان؟! فقالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ فضحك النبي حتى ظهرت نواجذه ولم يعقّب!
ــ وكان يراعي مشاعر زوجاته، يقول لعائشة: “إني لأعلم إذا كنتِ عني راضية، وإذا كنتِ عليَّ غَضْبَى، فقالت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: إذا كنت عني راضية تقولين: لا، وربِّ محمد، وإذا كنت غضبى، قلت: لا، وربِّ إبراهيم، قالت: أجل، والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك”.
ــ وكان النبي يتجمل لزوجاته ويتطيب لهن، سُئِلَتْ السيدة عائشة: “بأي شيء كان يبدأ النبي إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك”، لماذا؟ لأهمية رائحة الفــم بشكل خاص؛ لأنها مرتبطة بالكلام، فإذا كانت كريهة تأذّى المخاطب منها؛ فكان النبي حريصا ألا تشمّ زوجته منه رائحة غير طيبة، مع أنه دائما طيب الرائحة، إنه رسول الله، والحديث عن رومانسيته لا ينتهي!
ــ أما الحب الممنوع فهو الحب الناشئ عن علاقة غير شرعية، وهذا الحب قد يكون من الطرفين، وقد يكون من طرف واحد، والإسلام حرّمه وشدد العقوبة فيه، وذكر القرآن من هذا الحب أشهر قصة حب في التاريخ، وهي قصة حب امرأة العزيز ليوسف..

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق
إغلاق