ثقافة وأدب

جزء من رواية راية الغفران

بقلم عبير مدين
استيقظت روان من نومها بكسل فالطقس البارد يغريها بملازمة الفراش لكن اليوم اجتماع هام بالشركة التي تعمل بها وعليها الذهاب مبكرا لتجهيز الأوراق التي سوف يناقشها مجلس الإدارة ذهبت إلى المطبخ لتجهيز الفطور ثم تذكرت عليها أن تسلق اللحم حتى يكون جاهز على الغداء وضعت الفطور على صينية حملتها وهي تفكر أما آن الأوان لعلي زوجها أن يوافق على حدوث الحمل غدا سوف يحتفلان بعيد زواجهما الرابع وكانت حجته حتى يسدد ديون الزواج وهاهو أنتهى من سداد الديون وأصبح مستواهم المعيشي أفضل واشتاقت نفسها كثيرا لتصبح أم لكن علي مازال عند رأيه بالتروي في موضوع الحمل وتأجيله فترة اصطدمت المنضدة فتنبهت قبل أن تسقط الصينية من يدها وعقدت العزم على إقناعه برغبتها في الأمومة غدا وهما يحتفلان بعد قليل خرج علي من الحمام و هو يجفف شعره بالمنشفة وينظر بإعجاب لروان هي فعلا شابة فائقة الجمال كانت حلم شباب الشارع إلى أن هو جاء ذات يوم لزيارة خاله ورأها فوقع في حبها من اول نظرة هي أيضا وقعت في حب هذا المحامي الشاب الوسيم عندما رأته أول مرة يدق الباب بصحبة خاله قادما لطلب يدها ورغم أن ظروفه كانت ميسورة لحد كبير إلا أنه طلب منها تأجيل الحمل فترة و الإحتياط لذلك بعد عام من الزواج حصلت على وظيفة سكرتيرة بإحدى الشركات المشهورة كانت حياتهما يسودها الحب و الدفء
تأبطت ذراع زوجها وغادرا الشقة معا على السلم قابلت السيدة زينب جارتها وهي سيدة ودود ربة منزل في أواخر الثلاثينات كانت في طريق عودتها لشقتها بعد توصيل أبنائها المدرسة ثم قابلا السيدة نهى وهي تغلق باب شفتها دون أن تلقي تحية عليهما في طريقها إلى العمل وهي مدرسة بإحدى المدارس الخاصة متزوجة من سبع سنوات كانت منطوية تتجنب الحديث مع أحد من الجيران عرض عليها علي بكل احترام توصيلها للمدرسة فهي في طريق عمله لكنها اعتذرت وقالت المدرسة قريبه لا يستحق المشوار ركوب سيارة بعد أن ركبت روان السيارة بجوار زوجها الذي انطلق بها في طريق توصيلها للعمل مرت السيارة بجوار نهى ابتسمت روان وقالت لعلي كلما رأيت نهى اتذكر نهى وجدي الممثلة فهي تشبهها في الشكل كثيرا وتحمل نفس الإسم أبتسم علي ابتسامه خفيفه وقال دائما تشغلي بالك بأمور غريبه
أستمر الحديث بينهما إلي أن وصلت إلى الشركة نزلت واسرعت بصعود السلم دخلت حجرة المكتب لتجهيز الأوراق المطلوبة وجدت زميلاتها أماني
التي استقبلتها بابتسامة و قالت وصلت في الوقت المناسب وانهمكت معها في العمل إلي أن بدأ الإجتماع بعد حوالي ساعة ونصف فتنفست روان الصعداء الحمد لله دوري انتهى أسندت ظهرها للمقعد وقد ارتسمت علامات الراحة على وجهها تصحبها ابتسامة رضا ثم تلاشت ابتسامتها فجأة و ظهر الغزع على وجهها فقالت لها أماني ماذا حدث قالت روان كارثة لقد تركت اللحم على النار !!
سألت اماني متأكدة؟ ام مجرد هاجس من الهواجس التي تصيبنا؟
ترددت روان وهي تقول لا ادري فقالت لها أماني اذهبي بسرعه تأكدي
قالت روان هذا ما سأفعله سوف استقل تاكسي وفعلا غادرت الشركة واسرعت لشقتها و ما إن فتحت الباب ودخلت حتى وجدت الحريق في وجهها
كانت نهى في هذه اللحظة تخرج من حجرة النوم بملابس ساخنه وهي تضحك ضحكه رقيعة وما إن رأت روان حتى تسمرت مكانها كانت الصدمة عنيفة على روان همت أن تصرخ لكن في هذه اللحظة يخرج علي من الحجرة يتمالك نفسه بسرعة ويجري تجاهها و يضع يد على فمها قبل أن يصدر منها أي صوت واليد الأخرى يشل حركتها حتى اخذت نهى ملابسها و تسللت خارجة وهي مرتبكة وقد اصطبغ وجهها باللون الاحمر جراء ما فعلت جلست روان تبكي بحرقة وعلي يجلس على المقعد المقابل متماسك كأن شيئا لم يكن بعد قليل تمتلك روان نفسها بعض الشيء و بكل حزم طلبت الطلاق لكن علي بكل برود رفض قامت مشادة كلامية بينهما أمسكت هاتفها وهي تبكي بكاء حار واتصلت بوالدها الذي حضر هو وامها في خلال ساعه اصطحبت الأم ابنتها لحجرة اخرى بينما كان والدها الاستاذ سعد في الخارج مع علي يتحدث معه فيما جرى بعد قليل نادى روان و امها ثم قال روان يا ابنتي حصل خير على وعدني أن ما حدث لن يتكرر. نظرت روان لوالدها بذهول بينما نظر إليها علي نظرة المنتصر وقالت وهي غير مصدقة ما سمعت كيف؟ كيف أعيش مع خائن !! كيف اواجه إمرأة سرقت زوجي وهي تظنني مغفلة كيف انام على سرير نامت عليه إمرأة غيري مستحيل لن اتنازل عن الطلاق قالت امها لا داع يا ابنتي والدك يعلم مصلحتك نظرت لأمها مذهولة فقال والدها وهو ينظر إلى علي الحل أن تنتقل في شقة أخرى يا علي نظرت إلى والدها و قالت بذهول هل كانت مشكلتي مع الشقة ؟! قالت امها و يشتري حجرة نوم جديده يا سعد ليهز علي رأسه بالايجاب وترتسم علامات الرضا على وجهه تثور روان و تقول إذا لم أحصل على الطلاق الآن سوف أصرخ و أخبر الجيران بما حدث قال والدها يا ابنتي لا دليل على ما كان فالسيدة قد تدعي انك تشهرين بها خاصه وان الجميع يشهد أنها منطوية ولا تختلط بأحد و إثبات الواقعة ليس بالأمر السهل قالت روان وهل في نظركم انا المذنبة ؟! قال علي ليس هناك دليل على أن نهى كانت هنا وما تصورتيه من نسج خيالك صرخت في وجهه وقالت كفاك كذبا اذا لم أحصل على الطلاق الآن سوف أصرخ بأعلى صوتي واصف تفاصيل جسدها لزوجها و الجيران و لنرى إن كان هذا من نسج خيالي
وأمام ثورتها و الخوف من افتضاح أمره قام علي بتطليقها وسط عدم رضا والديها لتدخل و تجمع ملابسها وتعود إلى بيت والدها وهي تشعر ب مرارة لأن والديها لم ينصراها
تدخل روان حجرتها في هذا البيت المتهالك الأرجاء نعم هي تركت شقة فاخرة لكن كرامتها فوق كل شيء
كان والدها غاضب من تصرفها كيف لم تسمع كلامه وتظهره صغيرا أمام علي !! تدخل حجرتها و ترتمي على سريرها القديم الذي يصدر صوتا كأنه يشاركها الأنين بعد قليل تدخل والدتها وتقول مؤنبة لها كان عليك الصبر قليلا نظرت لها روان والدموع تنهمر من عينيها وقالت كيف اصبر بعد الذي رأيته بعيني فقالت أمها هل تظنين أن كل الرجال أوفياء ؟ ثم قالت بمرارة و كأنها تجرعت من نفس الكأس هناك رجل لم يجد الفرصة ليخون زوجته !! نظرت روان إلى أمها وقد صدمها ما سمعت من امها التي أكملت كلامها و قالت إذا كان زوجك أخطأ مرة فيجب أن تسامحيه فهو يحبك و حنون في معاملته لك انظري الي حسن زوج مي اختك كيف يعاملها بكل قسوة و يشبع من نزواته وهي تصير على معاملته لعل الله يهديه يوما
قالت لها روان وهل لو كانت مي من تعامل زوجها بقسوة هل كان زوجها سوف يصبر؟! هل كان لن يطلقها أو يتزوج بأخرى ؟ وهل لو كنت أنا من وجدني على في احضان رجل آخر هل كان سوف يرفع راية الغفران ؟!
لم تجد الأم رد فاستدارت وغادرت الحجرة في حين جلست روان على السرير ثم دفنت وجهها في الوسادة وبكت كثيرا وهي تردد ظلم ظلم
ثم توقفت فجأة عن البكاء و أمسكت الوسادة رفعتها أمام وجهها كمن يحمل طفل صغير فهذا الجماد احن عليها من البشر هذه الوسادة لم تتذمر من بكائها ولم تطالبها بتحمل مالا تطيق أصبحت الوسادة هي كل ما لها في الحياة تجلس معها فترات طويلة تتحدث معها حتى أنها أحياناً تتخيل انها ترد عليها !! فلا عجب أن يصبح الجماد احن من قلوب البشر
بعد أن مرت اشهر العدة اخبرها والدها أن هناك عريس تقدم لخطبتها وأنها عليها أن تحمد الله فهو شاب لم يسبق له الزواج !! رفضت بشدة هذا الزواج عنفها والدها فهي لن تبقى بدون زواج عرضة للقيل و القال جرت على حجرتها هل كنت أنا المذنبة حتى يعاقبني هذا المجتمع؟ أمسكت وسادتها ونظرت إليها و قالت افضل ان ابقى حبيسة أربع جدران عن الزواج لمجرد إرضاء الناس ثم احتضنت الوسادة كان قلب الوسادة الهش الناعم كأنه ينبض بالحنان أي راحة تجدها في أحضان وسادتها!! بعد فترة شعرت بصداع وأنها بحاجة إلى كوب من الشاي ذهبت إلى المطبخ لعمله في طريق عودتها إلى حجرتها قابلت امها تجلس الارض وامامها طبق تصنع فيه سلطة اهتزت يدها بشدة حتى كاد الشاي أن يسقط على امها التي صرخت وقالت زلزال رمت روان كوب الشاي و مدت يدها اوقفت أمها في هذه اللحظة بدأت قطع السقف تتساقط كان البيت ينهار جذبت الأم روان من يدها ونزلت السلم وقد تملكهما الفزع وقفا وسط الزحام و صرخات الناس وهم يشاهدون البيت وهو ينهار تذكرت روان وسادتها وشعرت بالخيانة كيف تنجو بنفسها وتترك ذات القلب الحنون تمزقها أنقاض المنزل لم تشعر روان بنفسها إلا وهي تندفع وتدخل المنزل وسط صيحات الجيران تصعد السلم الذي بدأ في الانهيار وتدخل تصارع الأنقاض لتجد وسادتها تحت بعض الحجارة ترفعها و تحتضنها ودموعها تعتذر عن ما كان منها وتغيبان عن أنظار الجميع تغيبان عن المجتمع الذي ينتظر ضحية جديدة يضع قيوده في عنقها
زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق