Lenovo Many GEOs
اسلاميات

بر الوالدين. … بقلم/د. عبدالناصر حلمي

الحمد لله الذي أمرنا ببرِّ الوالدين ونهانا عن عقوقهما،  سبحانه جعل رضاه في رضاهما وسخطه في سخطهما، وأشهد أن لا إله إلا الله، قَرَن شكرَه بشكرهما، فقال: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: 14]،
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله القائل: ((الجنة تحت أقدام الأمهات))، صل الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن من سعادة الإنسان توفيقَ الله تعالى له وتيسيره لامتثال أمره وأمر رسول الله صل الله عليه وسلم إذا دعاه لما يُحيي قلبه، ويُنير بصيرتَه، وهذه الحياة تَحصُل بالاستجابة لداعي الله تعالى، وتقديم مراد الله تعالى ومراد رسوله صل الله عليه وسلم على نَفْسه، وهذا الذي يقتضيه إيمان المؤمن؛ لذا وجَّه الخطاب له في القرآن بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]،
وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا
مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36].
وإن من أعظم أوامر الله – عز وجل – لك أيها المسلم بعد التوحيد: بِرَّ الوالدين واجتناب عقوقهما، فللوالدين حقٌّ واجب يقوم به المسلم؛ تعبُّدًا لله تعالى ورِقًّا، فقد قرن حقَّهما بحقه، كما قرن طاعتَه تعالى بطاعة رسوله صل الله عليه وسلم، وكما قرن الزكاة بالصلاة، فلا تُقبَل واحدة من هذه الثلاث من دون الأخرى؛ قال تعالى: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ [لقمان: 14]، أمر الله تعالى بشكرهما بعد أن بيَّن ما تلقاه الأم من العناء والمشقَّة طيلة حملها وعند وضْعه ونموِّه، فالمسلم الشاكر الممتثِل لأمر الله تعالى يُقدِّر هذه الأمور قَدْرَها، ويُعطيها شيئًا من الحسبان، ويحتسبها في الميزان، قال – جل ثناؤه -: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ
شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَعَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ
وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴾ [الأحقاف: 15، 16].
فما أروعه من ثواب، وما أصدقه من وعد! وهو أن يعرف حقَّ والديه فيكون في عِداد أصحاب الجنة، وممن مُحيت عنه سيئاته،
وقُبِل منه أحسن ما عَمِل، ورُزِق التوبة إلى الله تعالى، وكان من المسلمين طوعًا واختيارًا؛ رغبة فيما عند الله تعالى وهيبة منه وإكبارًا،
وأن يعترف بنعمة الله تعالى عليه بطلب ما يُرضيه، وصلاح ذريَّته له، كما أصلحه الله تعالى لوالديه، وجمع بين شُكْر النعمة عليه وعلى والديه؛ لأن النعمة عليهما نعمة عليه.
وقال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ﴾ [لقمان: 14]، فالله – جل وعلا – يوصي بالوالدين،
ثم يَذكُر السببَ المقتضي للوصية، وهو: ما تُلاقيه الأم من الأوجاع والآلام والصعوبات والتعب والنَّصب، في حالة الحمل والرضاع؛
لذا استوجب هذا الصنيعُ الشكرَ بعد الشكر لله تعالى؛ لأنهما السبب في إيجادك وفي حياتك حتى بلغتَ مَبلغَ الرجال، وبلغت سنَّهما، وصِرْت ولدًا مسؤولاً عن الأولاد بعدما كنت ولدًا مسؤولاً عنك أبواك، فهما في عنايتك منذ أن كنت نُطْفة في بطن أمك، أو طورًا من
أطوار الحمل، وهما يُقدِّمان مصلحتَك على مصلحتهما، وراحتك على راحتهما، من عطف الوالدين وعدلهما، وهاك نموذجًا من ذلك، وهو:
أن امرأة تُصدِّق عليها بتمرة، فشقَّتها بين بنتَيها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فانظر كيف آثرتْهما على نفسها، والأمثلة على كون الوالد يفدي الولد بنفسه كثيرة، فالآباء والأمهات أعظم المحسنين إحسانًا إلى الأولاد بعد الله تعالى؛ لذا كان حقهما أعظم الحقوق بعد حق الله عز وجل.
وقد جمع الله حُكْمَ بِرِّهما وعقوقهما، وكيفيَّة ذلك ومتى يتأكَّد بِرُّهم ا في قوله تعالى:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ
لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَالرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23، 24]، ومعنى ﴿ وَقَضَى ﴾: أمر وأوصى بعبادته واجتناب الشرك به ، وكذا أمر وأوصى بالوالدين إحسانًا، والإحسان:
كلمة تَشمَل كل ما يَسُرهما ويُرضيهما في غير معصية الله تعالى ، وتجنُّب كل ما يُسخِطهما ويغيظهما وخصوصًا حالة الكِبَر؛
لأنه وقت ضَعْفهما، فيتأكَّد عليك أيها المسلم التوجه إليهما حال الضعف أكثر من حال القوة، كما قاما عليك حال الضعفِ حتى بلغت القوة، وانظر أخي كيف أدَّبك الله تعالى، فخُذْ بتأديب الله تعالى، وتَخلَّق بشرع الله تعالى، قال تعالى:
﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ [الإسراء: 23]؛ أي: لا تُسمِعْهما قولاً سيئًا، ﴿ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾ [الإسراء: 23]؛ أي: لا يَبدُر منك إليهما فِعْلٌ قبيح؛ كما قال عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾؛ أي: لا تَنفُض يديك عليهما، ولما نهاه عن القول القبيح أمره بالقول
الحَسَن والفعل الحسن فقال: ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴾؛ أي: ليِّنًا طيبًا حسنًا بتأدب وتوقير واحترام وتعظيم،
﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ [الإسراء: 24]؛ أي: تَواضَع لهما بفِعْلك، ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24]؛ أي: في كِبَرهما وعند وفاتهما وبعد وفاتهما، إلا إذا كانا كافِرَين فلا تَدْع لهما بالرحمة، ولا تَستغفِر لهما؛ قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا
أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ
وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 113،114].
قوله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ ﴾ [العنكبوت: 8].
فاحذر أخي المسلم أن تجعل الإساءةَ إلى الوالدين مكانَ الإحسان ، وعقوقهما مكان البِرِّ والإيمان، والجفوة والغِلْظة مكان العَطْف والشَّفَقة
، والقول السيئ الأليم مكان القول اللين الكريم، والمعصية بدل الطاعة، وأن تُبدِّل الأب بالصديق، والأم بالزوجة، إن كنتَ
تُريد العونَ من الله تعالى والعِتْق من النيران، والفوز بالجنان، فإن رضا الله تعالى برضا الوالدين، وسخط الله تعالى بسخط الوالدين، والوالد
أوسط أبواب الجنة، فإن شئتَ فاحفظه، وإن شئتَ فأَضِعه، فالنظر إليهما طاعة، فما بالك بسائر البِرِّ والصِّلة وحُسْن الصُّحبة التي فضَّلها
الرسول صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيل الله عز وجل.
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
((أبايعك على الهجرة والجهاد في سبيل الله أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال عليه الصلاة والسلام: ((هل لكَ من والديك أحد حي؟))،
قال: نعم، قال: ((فارجع إلى والديك فأَحسِن صُحبتَهما)).
أيها المسلمون:
اتقوا الله في آبائكم وأمَّهاتِكم، وعيشوا لهما في كِبَرهما وشيخوختهما
مثلما عاشا لكم في صِغركم وطفولتكم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ
أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي
إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأحقاف: 15].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر
المسلمين والمسلمات من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: