Lenovo Many GEOs
ثقافة وأدب

د. مي مجاهد تكتب ” أحمر شفاه “

متابعة – محمود الهندي

ﺍﻗﺘﺮﺑﺖ منه بخفة وهي ﺗﻀﻊ ﺃﺣﻤﺮ ﺍﻟﺸﻔﺎﻩ القرمزي ﻭﻃﺒﻌﺖ ﻗﺒﻼﺗﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺟﺒﻴﻨﻪ بحنيه ، فأﺫﺍﺑﺖ ﻗﻠﺒﻪ ﻭﺳﻠﺒﺖ ﻋﻘﻠﻪ برقتها ، ﺟﻠﺲ علي حافه الفراش وكل حواسه تتعلق بجمالها وملامحها التي لا يري منها سوى حمرة شفتيها ،فاسبل جفنيه في لذة تسري في كل أطرافه وهو يستنشق عبيرها الأخاذ وصوتها العذب وهو ينادي بأسمه .. وفتحهما ليجد والدته توقظه ” يالا ياعريس اتأخرت أنت ناسي فرحك ولا ايه ” .

استيقظ في ذعر وجلس على حافه فراشه في توتر فاليوم ليلة زفافه الميمون .

ﺗﻮﺟﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ وهو ينظر إلى وجه كعادته فأﺻﺎﺑﻪ ﺍﻟﺬﻫﻮﻝ ﻣﻤﺎ ﺭﺁﻩ .

فقد وجد ﺷﻔﺎﻩ ﺣﻤﺮﺍﺀ ﻣﻄﺒﻮﻋﺔ ﻋﻠﻰ ﺟﺒﻴﻨﻪ بوضوح .

شعر بقبضة في صدره ومراراً ﺣﺎﻭﻝ ﺃﻥ ﻳﺰﻳﻞ ﺃﺛﺎﺭ ﺃﺣﻤﺮ ﺍﻟﺸﻔﺎﻩ بلا جدوى وكلما ﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ، تتملكة ﻋﻼﻣﺎﺕ ﺍﻟﺮﻋﺐ فهو لازال واضحاً رطباً على جبينه وكأنه حقيقية وليس حلماً .

عاد إلى الفراش في ضياع ﻭﺟﻠﺲ ﻓﻲ حيرة ﻻ ﻳﻌﻠﻢ ﻣﺎﺫﺍ ﻳﻔﻌﻞ، كيف يذهب لعمله هكذا وزفافه .. ما هذا الأمر العجيب .. ﺃﻏﻤﺾ ﻋﻴﻨﻴﻪ في إرهاق فشعر بحركه خافته فوجدها أمامه ﺗﺒﺘﺴﻢ ﻟﻪ ، ﺍﻗﺘﺮﺏ منها بشغف ﻭهو يهمس :
ﻳﺎ الله ، ﻣﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ فقط دعيني اراكي ؟

ﺃﻣﺴﻜﺖ ﺍﻟﻔﺘﺎﺓ ﻳﺪﻩ قبل أن تلمسها ﻭﻗﺮﺑﺘﻬﺎ ل ﺷﻔﺘﻴﻬﺎ ﻭﻃﺒﻌﺖ ﻗﺒﻠﺔ حانيه ﻋﻠﻴﻬﺎ فنظر إلى ابتسامتها المثيرة حتى خيل إليه أنها مرعبه وهي تقترب منه .. وفجأه ﺍﺳﺘﻴقظت حواسه ﻛﺎﻟﺬﻱ ﻣﺴﻪ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ على رنين الهاتف مد يده ليلتقطه فكاﺩﺕ ﻋﻴﻨﺎﻩ ﺗﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﻣﻜﺎﻧﻬﻤﺎ، فقد وجد على كفه ﺃﺛﺮ ﺃﺣﻤﺮ ﺍﻟﺸﻔﺎﻩ ﻭﺍﺿﺢ ﺟﺪﺍً ، ﺍﻗﺸﻌﺮ ﺟﺴﺪﻩ ﻭﺻﺎﺭ ﻳﺒﻜﻲ ﻛﺎﻟﻤﺠﻨﻮﻥ .

إنه يكره أحمر الشفاه هذا وبشده لاﺯال يذكر ﺻﻔﻌته ﻟشقيقته ﻋﻨﺪﻣﺎ عاد ذات ليلة ووجدها تضعه ﻗﺒﻞ ﻋﺸﺮﺓ ﺳﻨﻴﻦ، عشر سنوات .. ﻭﻗﻔﺖ ﺍﻟﺬﻛﺮﻳﺎﺕ ﻛﻐﺮﺍﺏ ﺃﺳﻮﺩ ﻋﻠﻰ ﻛﺘﻔﻪ .. ﺫﻛﺮﻳﺎﺕ ﻛﺎﻧﺖ ﻗﺒﻞ ﻋﺸﺮ سنوات بعد أن انتقل لمقر عمله الجديد .

عندما أحبها وبجنون نعم تلك ﺍﻟﻔﺘﺎﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻠﺒﺖ ﻗﻠﺒﻪ ﻭﻋﻘﻠﻪ، ﻛﺎﻧﺖ ﺩﺍﺋﻤﺎ ﺗﻀﻊ ﺃﺣﻤﺮ ﺍﻟﺸﻔﺎﻩ القرمزي، و ضحكتها تنير له دنياه … وجسدها يتهادي في خفه.

كانت تخبر زميلاتها بابتسامتها العذبة ” ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺃﺣﻤﺮ ﺍﻟﺸﻔﺎﻩ ﻣﻮﺟﻮﺩﺍ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺑﺨﻴﺮ .”

وكم ﺣﺎﻭﻝ ﺃﻥ ﻳلفت إﻧﺘﺒﺎها ﻟﻜﻨﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺮﻓﻀﻪ ﺩﺍﺋﻤﺎ، ﻛﻠﻤﺎ ﺣﺎﻭﻝ ﺍﻟﺘﻘﺮﺏ ﻣﻨﻬﺎ ﺻﺪﺗﻪ، ﻭﻛﻠﻤﺎ ﺻﺪﺗﻪ ﺯﺍﺩ ﺍﺻﺮﺍﺭﺍ ﻋﻠﻰ ﺗﻤﻠﻜﻬﺎ حتى علم أنها تحب آخر وتنوي الزواج منه قريباً … رآها تسير معه يتعانق كف كل منهما للأخر تضحك له ضحكتها العذبة ويقبلها على جبينها في شوق .

جن جنونه وبالرغم من حبه لها ، قرر أن ينالها بأي ثمن وأن يتمتع بها بين أحضانه .. أتفق مع إحدى الزميلات اللعوب أن تقنعها بالذهاب إلى إحدى الأماكن النائية في مقابل المال لتنقذ حبيبها بعد أن صدمته سيارة … هرولت المسكينة في رعب وذهبت إلى المكان وهي تنادي على حبيبها حتى تلقت ضربة قوية على رأسها فاظلمت الدنيا أمام عينيها.

حملها بين يديه كعصفور صغير وأﻗﺘﺮﺏ ﻣنها وﺃﺧﺬ ﻳﺘﺄﻣﻞ ﺟﻤﺎﻟﻬﺎ، ﻧﺎﺋﻤﺔ ﻛﺎﻟﻤﻼﺋﻜﺔ بذات الشفاة الغضة ﻭﺻﻔﻌﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻬﻬﺎ ﻭﻗﺎﻝ :

ﺃﻳﺘﻬﺎ ﺍﻟفاتنة ﻟﻮ ﺗﻌﻠﻤﻲ ﻛﻢ ﺩﻓﻌﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻷﺟﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ولأن امتلك تلك الشفاه ما منحتها لغيري قط وإنهال يقطف لذاتها في متعة.

جلس يدخن إحدى سجايره في تلذذ حينما استيقظت وعلى وجهها اسمي ايات الرعب والألم وأطلقت صرخه مدوية قطعتها ضحكته الساخرة وهو ينظر إلى ﺟﺴﺪﻫﺎ المغطي ﺑﺎﻟﺪﻣﺎﺀ ﻭﺍﻟﻌﻼﻣﺎﺕ ﺍﻟﺰﺭﻗﺎﺀ، و ﻋﻠﻰ ﺷﻔﺘﻴﻬﺎ ﺍﺧﺘﻠﻂ ﺍﻟﺪﻡ ﺑﺄﺣﻤﺮ ﺍﻟﺸﻔﺎﻩ الذي كان لازال ثابتاً لم يتأثر ، نظرت إليه في ضعف فاقترﺏ ﻣﻨﻬﺎ وطبع قبلة على جبينها وهمس :

هيا ﻧﻈﻔﻲ ﻧﻔﺴﻚ، ﻭﺍﺭﺗﺪﻱ ثيابك وتوﻗﻔﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﺒﻜﺎﺀ، ثم أمسك يديها وقبلها ووضع مبلغاً ضخماً من المال انسالت معه دموع الألم والحسرة منها وهي تلملم ثيابها وتحاول أن تستر ما تبقي من جسدها الضئيل .

تابع أخبارها في شغف بعد أن فكت خطبتها وتركت العمل لأسباب غير معلومة … وبقدر ما تمزق قلبه شوقاً إليها إلى أنه طردها من منزله بكل قسوة حينما اتته تخبره أن يتحمل عواقب فعلته في ليلة ممطره لتنقطع كل أخبارها من حينها .ﺟﺮﺱ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺃﻳﻘظه ﻣﻦ ﺩﻭﺍﻣﺔ ﺍﻟﺬﻛﺮﻳﺎﺕ، ﻧﻬﺾ ﻟﻴﻔﺘﺢ ﺍﻟﺒﺎﺏ فوجد عدد من الأقارب وأنطلقت الزغاريط و التهاني للعريس الذي حاول أن يداري وجه ويديه عن العيون وارتدي ثيابه على عجل .

أخذ سيارته وذهب إلى العنوان القديم نعم لابد وإن يعلم لماذا الآن… سأل هنا وهنا حتى أتاه الجواب :

” ياااااه ده لقوها ميتة في شقتها من سنين انتحرت ومحدش درى بيها غير لما ريحتها طلعت وكمان لقوها حامل ربنا يستر على ولايانا يا باشا وأهلها جم دفنوها وسافروا من وقتها ”

أعتصر الألم قلبه وهو ينظر إلى مرآه السيارة ليرى أحمر الشفاه يتألق على جبينه ويديه حتي شعر وكأنه جمرات تحرق جلده .

ارتدى بدلة عرسه وهو في حالة هذيان … وصل إلى عروسه التي تتألق في فستان زفافها الأبيض المزدان بالألماس وهو لا يرى سوى أحمر الشفاه في وجوه الجميع .

انتهى الزفاف سريعا وعاد بالعروس لعش الزوجية وأغلق الغرفة وتنهد وهو يضع كفه على مكان القبلة المطبوعة ونظر إلى عروسه في منامتها وحاول أن يقترب منها ، فوجدها نعم هي تجلس بشفاة باسمه على حافه ذات الفراش تراقبه في صمت و شفتيها تكاد تبتلع الغرفة .

تراجع في ذعر وخرج مسرعاً وأغلق الباب خلفه وجلس يفكر كيف فعلت بها ذلك ؟؟

ﻳﺎ ﺭﺑﻲ ﻣﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺬﺍﺏ؟ انا لا أستحق الحياة لا استحقها ..
وجدها تسير أمامه فصرخ برعب أرجوكي ﻻ ﺗﻘﺘﺮﺑﻲ ﻣﻨﻲ … لاااا ! ﺻﺪﻗﻴﻨﻲ لقد ﻧﺪﻣﺖ ﻋﻠﻰ فعلتي، ﻟﻢ ﺃﻋﻠﻢ بالانتحار ﺣﻴﻨﻤﺎ أخبرتني يومها بالحمل ﻇﻨﻨﺘك كاذبة لم ﺃﻛﻦ ﺃﻋﻠﻢ ﺃﺭﺟﻮكي ﺳﺎﻣﺤﻴﻨﻲ .

وضعت الفتاة يدﻫﺎ علي فمه لتمنعه من الكلام و أمسكت ﺃﺣﻤﺮ ﺍﻟﺸﻔﺎﻩ القرمزي وهي تبتسم ذات الإبتسامة وﺃﺧﺬﺕ ﺗضع له على وجه ﻭهي ﺗﻀﺤﻚ، وﻟﻢ ﻳﺴﺘﻄﻊ ﻣﻨﻌﻬﺎ، بل ﻛﺎﻥ ﻛﺎﻟﻤﺸﻠﻮﻝ ﺃﻣﺎﻡ ﻓﺘﻨﺘﻬﺎ و ملامحها المرعبة ودقات قلبة كادت تخرجه من صدره وسمعها تقول :

ﻻ ﺗﻘﻠﻖ ! ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﻛﻮﻥ ﺑﺠﺎﻧﺒﻚ ما رأيك ؟ هز رأسه بالموافقة
فتناولت يديه وذهبت معه إلى الشرفة ونسيم الهواء يداعب خصلات شعرها لتزداد فتنة حتى صعدت معه إلى حافتها ﻭهي لازالت تمسك ﻳﺪه وتألقت ابتسامتها ﻭهي تقفز معه ليرتطما بقوة على إحدى السيارات التي انطلق أزيز انذارها يمزق سكون الليل بعنف .

ﺗﺠﻤﻊ الجيران وبعض المارة حول جثته مع أبواق سيارات الشرطة والإسعاف .. ﻛﺎﻥ ﻭﺟﻪ ﻣﻠﻄﺦ ﺑﺄﺣﻤﺮ ﺍﻟﺸﻔﺎﻩ المختلط بالدم ، وخرجت عروسه على إثر الصوت لتنهار من الموقف حينما شاهدته من الشرفة … وانتبه ﺃﺣﺪهم لوجوﺩ ﺍﻣﺮﺃه جميلة تبتسم فظن إنها الزوجة وتسائل عن سبب ضحكتها ، فصعد مسرعاً ليجد العروس فاقده الوعي بملامح مختلفة وعلى حافة الشرفة استقر قلم أحمر شفاه قرمزي قديم .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: